جرت الانتخابات المحلية الفلسطينية الاسبوع الماضي في الضفة الغربية، وفي دير البلح، وسط خطاب رسمي قدمها باعتبارها خطوة ديمقراطية وتجديدا للحياة الديمقراطية، لتقديم صورة عن وجود حياة مؤسساتية وديمقراطية امام المجتمع الدولي، في وقت تتعرض فيه السلطة الفلسطينية لانتقادات متزايدة حول الشرعية والتمثيل والاداء الداخلي، لكن القراءة الاوسع لهذه الانتخابات تكشف صورة اكثر تعقيدا، من محدودية التمثيل والشمول، والبيئة السياسية المُقَيدة، فضلا عن الاثار الاجتماعية السلبية والتي زادت الانقسام، وكالمعتاد، يطلب من الصندوق اصلاح ما افسدته سنوات كاملة من تعطيل الحياة السياسية، ثم يلام عندما يفشل في تحقيق "المعجزة".
في دير البلح تحديدا، جرت الانتخابات وسط ظروف انسانية شديدة الصعوبة، من نزوح واسع وتدمير ونقص خدمات، ما جعل الحديث عن منافسة انتخابية في هذا السياق يبدو منفصلا عن الواقع، حيث ينشغل الناس بالبقاء اكثر من الانخراط السياسي.
أولى الملاحظات الجوهرية تعلقت بغياب عشرات التجمعات السكانية عن العملية الانتخابية، فقد غاب 197 مدينة وقرية في الضفة الغربية والتي بلغ عدد سكانها 977 الفا وفيها 465 الف ناخب مسجل، سواء بسبب ما اصطلح عليه بالتوافق او التزكية او عدم استكمال الاجراءات او غياب القوائم او الافراد لأسباب اخرى، هذا الرقم لا يمكن التعامل معه كتفصيل اداري، لأنه يمس جوهر التمثيل الشعبي، والاهم ان من بين المناطق الغائبة مدنا مركزية مثل رام الله ونابلس وقلقيلية، ومدن أخرى سجلت تدني نسب المشاركة بشكل واضح وملحوظ، وهي مدن ذات ثقل سكاني وسياسي وانتخابي كبير مثل الخليل وجنين والبيرة.
رام الله باعتبارها مركز الادارة والحكم او العاصمة المؤقتة فعليا، ونابلس كأحد اهم المراكز الاقتصادية في الضفة الغربية، وقلقيلية ذات الحضور التنظيمي، غياب هذه المدن ساهم في رفع نسب المشاركة المعلنة بصورة لا تعكس الواقع، لان استبعاد خزانات انتخابية كبرى يجعل اي نسبة عامة اقرب الى قراءة جزئية منها الى صورة حقيقية للمزاج الشعبي، ايضا نسب المشاركة كانت متدنية جدا في عدد من المدن ذات الثقل السكاني والسياسي، ومنها الخليل والبيرة وجنين، وهي ايضا مراكز تأثير وثقل في المزاج السياسي والاجتماعي ، وهذا لا يمكن تفسيره باعتباره تفصيلا محدودا، وبالتالي حين تعزف المدن الكبرى او تغيب، يصعب اقناع المشاهدين بان الحفل كان ناجحا.
انتقاد اخر تكرر بقوة، وقد تمثل في ان الانتخابات جرت ضمن اطار محلي محدود، بينما لا تزال الانتخابات التشريعية والرئاسية معطلة منذ عقدين، لذلك رأى كثيرون ان السماح بانتخاب المجالس البلدية، مع استمرار تعطيل المؤسسات الوطنية الاعلى، يعكس انتقائية سياسية اكثر من كونه تحولا ديمقراطيا شاملا، اي يسمح لك باختيار من يصلح الرصيف، ولكن ليس من يقرر مستقبل النظام السياسي، وهو اقرب الى ترتيب اولويات يليق بزمن اخر غير هذا الزمان، حيث تمر القضية الفلسطينية في اخطر مراحلها.
من جانب اخر، فان المجالس لا تملك هامشا واسعا من السلطة، بسبب القيود المالية والادارية والاحتلال والانقسام، وبالتالي فان تغيير الاعضاء لا يعني بالضرورة تغييرا فعليا في الخدمات او البنية المحلية، ما يجعل الانتخابات اقرب لتغيير الوجوه لا اكثر.
الى جانب ذلك، هناك القانون الانتخابي بما وجده من رفض شعبي وفصائلي واسع، خصوصا تعديلات البند 2 من المادة 16 من القانون رقم 3 لعام 2025 الذي اشترط التزام المرشحين بالتزامات منظمة التحرير الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية، والتي استخدمت عمليا لتقييد المشاركة السياسية، وحتى لو بدت الانتخابات مفتوحة للجميع نظريا، فحين يطلب من المرشح تبني برنامج سياسي محدد مسبقا، تصبح المنافسة محكومة بسقف سياسي معروف، لا بسقف الارادة الشعبية.
ويزداد هذا الجدل حدة في ظل واقع تعتبر فيه قطاعات من المجتمع ان منظمة التحرير لم تعد تقوم بدورها السياسي التمثيلي بالشكل المطلوب، سواء من حيث التجديد المؤسسي او الفاعلية الوطنية، وعليه، فان اشتراط مرجعيتها في الانتخابات المحلية بدا للبعض محددا اكثر من كونه شرطا تنظيميا محايدا.
الى جانب ذلك، برزت شكاوى كثيرة نتيجة تضييق امني طال مرشحين ونشطاء، ما حال دون مشاركة بعض القوائم او دفع افرادا الى الانسحاب، او حال دون استيفاء اخرين الشروط والمتطلبات، فضلا عن تقارير موثقة عن ملاحقات واعتقالات لعدد من المرشحين قبل الانتخابات او بعدها، ما يطرح سؤالا متجددا حول المنافسة الحرة تحت ضغط مزدوج، داخلي وخارجي، دون المساواة بينهما، لكن بالمحصلة النتائج تضر بالمشاركة، ايا كانت الجهة والاهداف والغايات.
كما تعرضت الانتخابات لانتقادات تتعلق بعدم الالتزام بمبدأ حياد السلطة التنفيذية المنصوص عليه في المادة (8) من قانون الانتخابات، فسجل على السلطة التنفيذية تدخل وانحياز علني، ما اثار تساؤلات كبيرة حول تكافؤ الفرص ونزاهة البيئة الانتخابية.
وفي حالة اخرى موثقة اثارت جدلا واسعا في الشارع، اجبر الاحتلال احد الاعضاء المنتخبين في "دير سامت" على الاستقالة بعد انتخابه نائبا لرئيس البلدية، ما عزز الانطباع بان الحصول على ثقة الناخبين لا يعني بالضرورة القدرة على ممارسة الدور المطلوب.
ولم تتوقف الانتقادات عند السياسة، بل امتدت الى النسيج الاجتماعي، ففي عدد من البلدات والقرى، تحولت المنافسة الى اصطفافات عائلية وحساسيات محلية حادة، واعادت فتح خلافات اجتماعية كامنة، وفي بعض المواقع جعلتها اشبه بساحات الحرب، الباردة او الساخنة، وبلغت حد اراقة الدماء وحرق الممتلكات، وبدل ان تكون الانتخابات وسيلة لتنظيم الخلافات، وبديل عن استخدام القوة، اصبحت سببا مباشرا لشرخ مجتمعي اعمق، سيدوم اثره لسنوات، فضلا عن توسيع الانقسامات بين العائلات والمكونات المجتمعية.
في المحصلة، لم ترفض الانتخابات المحلية من حيث المبدأ، لكنها جرت في بيئة لا تسمح بانتاج تمثيل حقيقي وشامل، وبين غياب المدن الكبرى، وتقييد المشاركة، والضغط الامني، والانقسامات الاجتماعية، بدت الانتخابات اقرب الى ادارة محدودة للازمة لا الى مسار اصلاح سياسي جاد، وهذا للاسف، بات تقليدا سياسيا "راسخا" اكثر من اي مؤسسة مُنتَخبة.