قائمة الموقع

بين سريرين صغيرين... طارق عسيلة يحمل وجعين أكبر من العمر

2026-05-02T09:19:00+03:00
صورة للطفل وسيم عسلية قبل وبعد اصابته بالمرض
فلسطين أون لاين

في بعض البيوت، يبدأ الصباح على صوت ضحكة طفل، أو على خطوات صغيرة تتعثر في الممرات، لكن في بيت طارق عسيلة، يبدأ النهار على صوت الأجهزة، ومواعيد الدواء، ومراقبة أنفاس طفلين لم يمنحهما العمر فرصة التعرف إلى الحياة كما ينبغي.

فطارق يعيش معاناة يومية ثقيلة، يتقاسمها مع زوجته، وهما يحاولان النجاة بطفلين صغيرين لا يدركان معنى المرض، لكنهما يعيشان وجعه كل يوم، بين وسيم، البالغ من العمر عامًا ونصف العام، وحاتم، الرضيع الذي لم يتجاوز أربعة أشهر، تحوّل البيت إلى غرفة انتظار طويلة بين الأمل والخوف.

وسيم الطفل الذي كان يفترض أن ينشغل أهله بخطواته الأولى وكلماته الأولى، بدأ رحلة الألم مبكرًا. بعد أربعة أشهر فقط من ولادته، لاحظ والداه أنه لا يستطيع القيام بعملية الإخراج بصورة طبيعية، فتنقلا به بين الفحوصات والصور الطبية، حتى جاءت النتيجة صادمة: عصب القولون ميت.

ولم يكن من السهل على الأبوين استيعاب ما يعنيه هذا التشخيص، ولا كيف يمكن لطفل في هذا العمر أن يحمل كل هذا التعب في جسده فلم يكن أمام الأطباء سوى إجراء فتحة خارجية من البطن تساعده على الإخراج، لتبدأ حياة مختلفة لطفل لم يعرف بعد معنى الراحة.


 

يقول طارق لصحيفة "فلسطين": "كنا نظن أن الأمر عارض بسيط، لكننا وجدنا أنفسنا أمام حالة تحتاج إلى متابعة دائمة ورعاية مستمرة، ولم نكن نعرف كيف نتعامل مع ذلك".

ومنذ ذلك الوقت، صار وسيم يحتاج إلى عناية يومية دقيقة، ومتابعة مستمرة، وحرص مضاعف على كل تفصيل صغير، من الطعام إلى النظافة إلى تبديل المستلزمات الطبية. وكل ما كان طبيعيًا في حياة الأطفال، أصبح يحتاج إلى حسابات طويلة.

لكن ما أثقل قلب العائلة أكثر، أن الألم لم يتوقف عند وسيم، فبعد أشهر قليلة، بدأ الرضيع حاتم، الذي لم يتجاوز عمره أربعة أشهر، يرسل إشارات خطر مبكرة، وقد لاحظ والداه أنه يتنفس بصعوبة، وأن صوته يكاد لا يُسمع، وأن جسده الصغير يضعف يومًا بعد يوم. وبعد الفحوصات، تبيّن أنه يعاني من شلل في الأحبال الصوتية ونقص في الأكسجين، إلى جانب سوء تغذية حاد.

ومنذ ثمانية عشر يومًا، يمكث حاتم في العناية المركزة، حيث أصبح السرير الأبيض عالمه الوحيد، أُجريت له فتحة في القصبة الهوائية ليساعده ذلك على التنفس، وأخرى في المعدة لتركيب أنبوب تغذية، لأنه لا يستطيع البلع.

ويضيف طارق بصوت أنهكه الانتظار: "أصعب ما يمر على الأب أن يرى طفله يتألم ولا يستطيع أن يخفف عنه شيئًا".


 

ففي غرفة العناية المركزة، لا يعرف حاتم لماذا تحيط به الأنابيب، ولا لماذا يغيب عن حضن أمه ساعات طويلة، ولا لماذا صار البكاء صامتًا أحيانًا. هو فقط طفل صغير يقاتل كي يتنفس.

أما الأم والأب، فيتنقلان بين سريرين، وقلبين، ووجعين لا يشبه أحدهما الآخر. هذا يحتاج إلى متابعة دقيقة، وذاك يحتاج إلى مراقبة مستمرة، وبينهما حياة منزلية تكاد تتلاشى تحت ضغط الخوف والإرهاق.

ويحتاج الطفلان إلى علاج ورعاية خاصة خارج غزة، في ظل نقص الإمكانيات والمعدات الطبية اللازمة، وصعوبة توفير الرعاية المتقدمة التي تتطلبها حالتهما. كما يواجه الوالدان أزمة يومية في توفير الأدوية والمستلزمات، خاصة الحليب الخاص الذي يحتاجه حاتم، والذي أصبح نادرًا في الأسواق.

ويتابع طارق حديثه: "أحيانًا يكون همّنا الأكبر كيف نجد علبة حليب تناسب حالته، قبل أن نفكر بأي شيء آخر".

ورغم كل ذلك، ما زال الأبوان يتمسكان بالأمل، لأنهما يعرفان أن الطفلين لا يحتاجان فقط إلى الدواء، بل إلى والدين يقفان ثابتين أمام العاصفة.

هكذا يعيش طارق يومه؛ يحمل وسيم بعناية، ويطمئن على حاتم بلهفة، ويؤجل تعبه الشخصي إلى وقت لا يأتي في ظل ما يعيشه من معاناة انتظار تحويلة علاجية قد تنهي معاناة صغيريه، ومعبر يفتح لسفرهما وعلاجهما.

اخبار ذات صلة