بعد عامين ونصف العام من حرب الإبادة، تتصاعد الدعوات من ممثلي العمال والخبراء الاقتصاديين لإطلاق خطة إنقاذ شاملة تعيد الحياة إلى سوق العمل في قطاع غزة، مع انهيار غير مسبوق طال مختلف القطاعات الإنتاجية.
ويجمع المتحدثون على أن تمكين العمال ودمجهم مجددا في الدورة الاقتصادية يتطلبان إجراءات عاجلة تبدأ برفع القيود الاحتلالية وإعادة الإعمار، مرورا بدعم القطاع الخاص وتوفير برامج تشغيل فاعلة، وصولاً إلى تبني حلول مبتكرة كالتشغيل الرقمي والعمل عن بُعد، بما يضمن استعادة مصادر الدخل وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
في السياق، أكد رئيس اتحاد نقابات عمال غزة سامي العمصي، أن تمكين العمال وإعادة دمجهم في سوق العمل يتطلبان بشكل أساسي رفع الحصار عن قطاع غزة والانطلاق الفعلي في عمليات إعادة الإعمار، مشدداً على أن أي حلول جزئية لن تكون كافية لمعالجة الأزمة.
وأوضح العمصي، في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن فرص العمل المتاحة حالياً محدودة للغاية، مبيناً أن برامج التشغيل المؤقت لا تمثل حلاً جذرياً لمشكلة البطالة.
وبين أن القطاعات الإنتاجية تعرضت لضرر كبير، حيث يعاني القطاعان الزراعي والصناعي من شبه شلل، فيما يواجه قطاع الصيد قيوداً حادة مع تقليص مساحة الصيد إلى نحو 500 متر فقط. كما لفت إلى توقف قطاع الإنشاءات بالكامل نتيجة منع إدخال مواد البناء، ما أثر على أكثر من 40 ألف عامل.
وفي السياق ذاته، بيّن أن نحو 70% من قطاع النقل العام في غزة تضرر، الأمر الذي يعيق عودة النشاط الاقتصادي بشكل طبيعي.
بدوره أكد الناشط في قضايا العمال د. سلامة أبو زعيتر أن واقع العمال في قطاع غزة لم يعد يُوصف بمفهوم “البطالة” التقليدي، بل وصل إلى مرحلة “موت سريري” لمنظومة العمل بالكامل، في ظل الانهيار غير المسبوق للأوضاع الاقتصادية.
وأوضح أبو زعيتر لصحيفة "فلسطين" أن سوق العمل يشهد شللاً شبه تام، حيث تتراوح معدلات البطالة بين 85% و90%، ما يعني أن 9 من كل 10 عمال فقدوا مصدر دخلهم بشكل كامل.
وأضاف أن أكثر من 95% من أسر العمال تعاني من فقر مدقع، في وقت تكبد فيه القطاع الخاص خسائر يومية قُدرت بنحو 19 مليون دولار خلال ذروة الأزمة.
ونبه إلى أن القطاعات الإنتاجية تعرضت لتدمير واسع وممنهج، حيث سجل قطاع الإنشاءات تراجعاً بنسبة 98%، فيما انخفضت أنشطة القطاعين الصناعي والزراعي بنسبة 94%، إلى جانب تضرر قطاعات أخرى مثل السياحة.
ووصف أبو زعيتر ما يتعرض له العمال بأنه “جريمة اجتماعية كبرى” ذات أبعاد اجتماعية ونفسية، في ظل فقدانهم العمل والمأوى، وتراجع دور الاستجابة الدولية.
ودعا إلى حزمة من الإجراءات العاجلة، أبرزها إنعاش القطاع الخاص عبر منح مالية مباشرة للمنشآت المتضررة، وإطلاق ثورة تشريعية لحماية حقوق العمال، وإنشاء “صندوق الكرامة للتعويضات” لدعمهم نقدياً بشكل منتظم، إضافة إلى تفعيل برامج التشغيل المباشر ضمن مشاريع إعادة الإعمار، خاصة عبر برامج “النقد مقابل العمل”.
وأكد أن إنقاذ سوق العمل في غزة يتطلب تحركاً فورياً وشاملاً يضع العمال في صدارة الأولويات.
العمل مقابل الغذاء
من جهته دعا الخبير الاقتصادي د. محمد رجب إلى تبني برامج عاجلة تقوم على مبدأ “العمل مقابل الغذاء”، كأحد الحلول المؤقتة للتخفيف من حدة الأزمة المعيشية التي يعيشها عمال قطاع غزة، في ظل الانهيار الحاد في سوق العمل.
وأكد رجب لصحيفة "فلسطين" أهمية تخصيص جزء من التمويل الدولي لتوفير فرص عمل حقيقية، خاصة عبر دعم المشاريع الصغيرة، بما يسهم في إعادة تحريك عجلة الاقتصاد وخلق مصادر دخل مستدامة للأسر المتضررة.
وأشار إلى وجود حالة من الخمول في أداء الاتحادات المهنية والغرف التجارية، مطالباً إياها بلعب دور أكثر فاعلية في استقطاب المشاريع والتمويلات الدولية، وتوسيع تدخلاتها بما يتناسب مع حجم الأزمة.
كما شدد على ضرورة تفعيل دور صندوق التشغيل التابع لوزارة العمل، وتعزيز شراكاته مع المؤسسات الدولية المانحة، لضمان توجيه التمويل نحو برامج تشغيل حقيقية وفعالة.
وأشار إلى أنه في عصر الاقتصاد الرقمي، بات من الضروري فتح آفاق للعمل عن بُعد، من خلال تأهيل الشباب والعمال في مجالات التكنولوجيا والعمل الحر، بما يتيح فرص دخل جديدة تتجاوز القيود الجغرافية.
وشدد رجب على أن المرحلة الحالية لا تحتمل المواقف الشكلية أو غير المسؤولة، بل تتطلب تحركاً عملياً وجاداً لإنقاذ العمال وإعادة دمجهم في دورة الإنتاج.