يدخل المسجد الأقصى شهر مايو الحالي وسط حالة من التوتر الشديد، مع تحذيرات متصاعدة من تصعيد يقوده غلاة المستوطنين وجماعات استيطانية ومنظمات مرتبطة بما يسمى "الهيكل" المزعوم لتنفيذ اقتحامات غير مسبوقة لساحات المسجد.
وتشير المعطيات إلى أن الشهر قد يشهد ذروة في الاقتحامات ومحاولات فرض وقائع تهويدية جديدة داخل المسجد، ما يضع مدينة القدس برمتها أمام مرحلة حساسة تتداخل فيها المناسبات التوراتية مع الأجندات السياسية على الأرض.
ويتعرض المسجد المبارك منذ سنوات لمحاولات متكررة تستهدف تغيير الوضع القائم فيه عبر اقتحامات منظمة ورفع شعارات توراتية وقومية. ومع بداية مايو، تتزايد المخاوف من استغلال مناسبات تلمودية وتاريخية لتكثيف هذا الحضور الاستيطاني داخل ساحات الأقصى، في ظل بيئة سياسية وإقليمية تضعف مستوى الردع وتسمح بتمرير خطوات تهويدية جديدة.
محطات تصعيدية
ويرى الباحث في شؤون القدس زياد بحيص، أن شهر مايو الجاري يمثل محطة تصعيدية معقدة في سياق استهداف المسجد الأقصى، بسبب تزامن ثلاث جُمع رئيسة مع مناسبات توراتية وقومية صهيونية. مشيرا إلى أن هذه المناسبات لا تستخدم فقط كأحداث توراتية، بل توظف ضمن خطة تدريجية تهدف إلى تكثيف الاقتحامات وفرض حضور استيطاني متزايد داخل المسجد وساحاته.
ويؤكد بحيص، في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن الجمعة الأولى من الشهر، والمتزامنة مع ما يسمى "الفصح الثاني"، قد تتحول إلى فرصة لتعويض اقتحامات سابقة لم تنفذ خلال فترات إغلاق الاحتلال للأقصى. لافتا إلى أن هذه المناسبة رغم محدوديتها التوراتية، إلا أنها باتت تُستغل من منظمات الهيكل لدفع أجندة اقتحامات أكثر جرأة داخل المسجد الأقصى، بما في ذلك محاولات إدخال القربان الحيواني.
ويضيف أن خطورة هذه المرحلة لا تقتصر على يوم الجمعة فقط، بل تمتد إلى يوم الخميس الذي يسبقه، والذي ينظر إليه باعتباره يوما تمهيديا للاقتحامات. موضحا أن هذا النمط أصبح متكررا، إذ تستخدم الأيام السابقة للمناسبات التوراتية لتنفيذ اقتحامات استكشافية أو جماعية، بهدف خلق واقع تدريجي داخل الأقصى.
وفيما يتعلق بالجمعة الثانية، يوضح بحيص أنها تتزامن مع ما يسمى "يوم القدس" وفق التقويم العبري، وهي مناسبة قومية مرتبطة باحتلال شرقي القدس عام 1967؛ هذه المناسبة عادة ما تشهد اقتحامات واسعة واستعراضات قوة داخل البلدة القديمة، إلى جانب محاولات رفع الأعلام الإسرائيلية في محيط المسجد.
ويؤكد أن "مسيرة الأعلام" التي تترافق مع هذه المناسبة تشكل أحد أبرز أدوات التصعيد داخل القدس. حيث تستخدم كاستعراض سياسي وتوراتي في آن واحد، ما يزيد من احتمالات الاحتكاك داخل البلدة القديمة وساحات المسجد الأقصى، خاصة في ظل كثافة التواجد الاستيطاني في تلك الفترة.
أما الجمعة الثالثة، فيشير بحيص إلى أنها تتزامن مع ما يسمى "عيد الأسابيع" التوراتي، وهو أحد أعياد الحج القديمة، ورغم تراجع أهميته التوراتية، إلا أنه بات يستغل بشكل متزايد لتنفيذ اقتحامات جديدة داخل الأقصى، بما في ذلك محاولات إدخال رموز طقسية ومواد رمزية إلى داخله.
ويؤكد الباحث المقدسي، أن تزامن هذه المناسبات الثلاث خلال شهر واحد، وعلى امتداد أيام الجمعة والخميس، يخلق حالة ضغط غير مسبوقة على المسجد الأقصى. مبينا أن هذا النمط من "التقويم الاستيطاني" يشكل خطرا متصاعدا يتطلب حضورا ميدانياً دائما داخل المسجد ومحيطه.
استعراض خطير
من جهته، يؤكد المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب، أن شهر مايو يعد من أكثر الشهور حساسية وخطورة على المسجد الأقصى، نتيجة تداخل مناسبات توراتية وقومية تستغلها جماعات المستوطنين لتكثيف الاقتحامات. مشيرا إلى أن هذه المرحلة عادة ما تشهد تصعيدا تدريجيا يبدأ قبل المناسبات بأيام، ما يجعل الشهر كله في حالة استنفار دائم.
ويضيف أن ما يسمى "الجمعة الثانية" من مايو تمثل أخطر محطات الشهر، كونها تتزامن مع ذكرى احتلال الشطر الشرقي من القدس. موضحا أن هذه المناسبة تتحول عادة إلى مساحة استعراض سياسي وتوراتي داخل القدس، من خلال رفع الأعلام الإسرائيلية ومحاولات فرض الوجود الاستيطاني داخل ساحات المسجد.
ويشير أبو دياب في حديثه لصحيفة "فلسطين"، إلى أن خطورة المرحلة الحالية تتضاعف بسبب الانشغال الإقليمي والدولي، ما يضعف مستوى الضغط على الاحتلال ويمنحه مساحة أوسع للتحرك. مستدركا أن غياب الردع الفاعل يشجع حكومة الاحتلال على توسيع نطاق الاقتحامات، وتحويلها من مناسبات موسمية إلى حالة شبه يومية داخل المسجد الأقصى.
عوامل الردع
ويشدد على أن مواجهة هذه المخططات لا تكون عبر البيانات فقط، بل من خلال التواجد والرباط المستمر داخل الأقصى ومحيطه. مؤكدا أن الرباط داخل المسجد وفي شوارع القدس يشكل عامل ردع أساسي، ويحد من قدرة المستوطنين على فرض وقائع جديدة أو تثبيت وجود دائم داخل ساحات الأقصى.
وتنطلق دعوات فلسطينية شعبية وأهلية لشد الرحال إلى المسجد الأقصى خلال أيام شهر مايو الجاري، بهدف تعزيز الوجود الفلسطيني داخله وإفشال مخططات الاقتحام. وتؤكد الدعوات أن الحضور المبكر والمستمر داخل المسجد يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات فرض وقائع تهويدية جديدة داخل ساحاته.
كما تحذر جهات مقدسية من خطورة أي فراغ ميداني داخل الأقصى، معتبرة أن ذلك قد يستغل لتنفيذ اقتحامات واسعة أو إدخال طقوس توراتية. وتشدد على ضرورة استمرار الرباط اليومي، وتنظيم الحضور الجماعي في أوقات الصباح والاقتحامات المعلنة لإفشال أي محاولة للسيطرة التدريجية.
وتدعو التحذيرات أيضا إلى تعزيز التواجد في البلدة القديمة باعتبارها خط مواجهة مباشر مع محاولات التهويد. وتؤكد أن حماية الأقصى لا تقتصر على داخل المسجد فقط، بل تمتد إلى الشوارع المحيطة به، حيث تشكل الحركة الشعبية عنصر ضغط مهم يحد من تحركات المستوطنين.
ويحذر ناشطون مقدسيون من أن شهر مايو قد يكون مفصليا في مسار الصراع على المسجد الأقصى، نظرا لتعدد المناسبات وتداخلها في توقيت واحد. ويؤكدون أن أي تراخ في الرباط قد يفتح المجال أمام تغييرات ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقا، ما يستدعي أعلى درجات الجاهزية الشعبية