قائمة الموقع

أسيل في مواجهة السرطان… المرض يشتد وغياب الزوج يعمّق المأساة

2026-04-30T09:17:00+03:00
لا يزال مرضى السرطان في غزة يواجهون الموت يوميًا جراء نقص العلاج وانتظار استكمال العلاج في الاخارج
فلسطين أون لاين

في خيمةٍ مهترئة بين خيام النزوح في خان يونس، تخوض أسيل زرعي معركة قاسية مع السرطان وأمراض مزمنة أخرى، مع غياب زوجها المفقود، وانهيار المنظومة الصحية في قطاع غزة، ما يجعل رحلتها نحو العلاج أشبه بصراع يومي للبقاء.

تجلس أسيل على قطعة قماشٍ بالية، تحاول إسناد جسدٍ أنهكته الأمراض، في حين يخذلها التعب كلما حاولت الاعتدال. خيمة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، وأرض قاسية، وهواء مثقل بالغبار والقلق؛ غير أن ما يثقل المكان أكثر هو حكاية أسيل نفسها.

أسيل، في منتصف الثلاثينيات من عمرها، لم تعد تقيس أيامها بالزمن، بل بقدرتها على الاحتمال. تعاني من مرض السرطان الذي أنهك جسدها، إلى جانب إصابتها بتصلّب الجلد الذي قيّد حركتها، ومرض الثلاسيميا الذي يستنزف ما تبقى من طاقتها. ثلاثة أمراض تكفي كل واحدة منها لإرهاق إنسان، فكيف إذا اجتمعت في جسد امرأة تعيش أصلًا ظروفًا قاسية تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

اقرأ أيضًا: السرطان ينهش أجساد مرضى غزة مع استمرار إغلاق معبر رفح

مع اندلاع الحرب، خرج زوجها خالد زعرب بحثًا عن لقمة العيش، كما يفعل كثيرون في واقعٍ يضيق يومًا بعد يوم، لكنه لم يعد منذ ذلك الحين، ليُسجل في عداد المفقودين. تقول أسيل إنها حاولت مرارًا معرفة مصيره عبر الجهات المختصة، وحتى من خلال الصليب الأحمر، لكن دون جدوى. غيابه لم يكن مجرد فقد، بل انتظار يومي ثقيل وأسئلة بلا إجابات.

داخل الخيمة، تتبدل ملامح الطفولة سريعًا. سعاد، ابنتها ذات الاثني عشر عامًا، لم تعد تعرف طريق المدرسة، بل تحملت مسؤوليات تفوق عمرها؛ تنظف وتطهو إن توفر الطعام، وترعى إخوتها، محاولة تعويض غياب والدها وعجز والدتها. تقول بصوتٍ خافت: “أكثر شيء زعلني إني انحرمت من التعليم… بس بدي أضل جنب ماما”، بينما تخفي ملامحها طفولةً اختطفتها الظروف.

أما شقيقها، فيعاني من مرض في الغدد يمنعه من المساعدة، لتجد أسيل نفسها محاطة بأطفال يحتاجون إليها، في وقت لم تعد قادرة فيه على مساعدة نفسها.

رغم آلامها، تضطر أسيل في بعض الأيام إلى التوجه نحو التكية للحصول على ما يسد جوع أطفالها، تمشي بخطوات مثقلة، لكنها تمضي لأن البقاء بلا طعام أشد قسوة من التعب. وتؤكد لـ "فلسطين أون لاين" أنها كثيرًا ما تشعر بالانهيار، غير أن أطفالها يمنحونها دافع الاستمرار.

تتفاقم معاناة أسيل في ظل واقع صحي متدهور في غزة؛ نقص حاد في الأدوية، وإمكانات محدودة، وتراجع في خدمات علاج مرضى السرطان، فضلًا عن تهالك الأجهزة الطبية والضغط الكبير على الطواقم الصحية. في مثل هذه الظروف، لم يعد العلاج داخل القطاع كافيًا لحالتها التي تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

ويؤكد الأطباء حاجتها الماسة إلى السفر لتلقي العلاج في الخارج، حيث تتوفر الرعاية المتخصصة، غير أن القيود المفروضة على السفر تجعل هذا الخيار شبه مستحيل.

ورغم كل ذلك، لا تطلب أسيل سوى فرصة للعلاج. تقول بصوتٍ مثقل بالتعب: “بدي أتعالج… عشان أولادي”. أطفالها هم ما يبقيها متشبثة بالحياة، تخشى أن تتركهم في عالمٍ قاسٍ دون سند.

اقرأ أيضًا: يوسف النباهين... صراعٌ مرير مع السرطان في خيمة النزوح وانتظارٌ يفاقم الألم

أما سعاد، فلا تحمل أحلامًا كبيرة؛ تتمنى فقط عودة والدها، وشفاء والدتها، وأن تعود إلى مدرستها. أمنيات بسيطة، لكنها تبدو بعيدة المنال.

في خيمة صغيرة، تختصر قصة أسيل واقعًا إنسانيًا أكبر؛ مرض يشتد، ونظام صحي منهك، وعائلات تكافح للبقاء. هنا، لا يكون المرض مجرد حالة طبية، بل معركة يومية تتقاطع فيها المعاناة الجسدية مع الضغوط النفسية وقسوة الحياة.

وحين تُسأل أسيل عمّا تريده، لا تتردد طويلًا، تنظر إلى أطفالها وتقول: “نفسي أعيش… عشانهم”. في مكان تضيق فيه الخيارات، تبدو فرصة العلاج خارج غزة ضرورة ملحّة، قد تصنع الفارق بين الحياة والموت.

اخبار ذات صلة