تشهد مدينة القدس وأحياءها في المدة الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا في وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية، التي لم تعد تقتصر على إجراءات أمنية أو ميدانية متفرقة، بل باتت تأخذ طابعًا ممنهجًا يستهدف جميع مناحي الحياة في المدينة، من السكان إلى المكان، مرورًا بالهوية الدينية والتاريخية.
ويأتي هذا التصعيد في ظروف إقليمية ودولية معقدة، يرى مختصون أنها وفّرت بيئة مناسبة للاحتلال لتكثيف سياساته على الأرض، مستغلًا انشغال العالم بأزمات أخرى في المنطقة.
ويؤكد المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب أن ما يجري في المدينة هو جزء من مشروع أوسع يهدف إلى فرض ما يسميه الاحتلال "السيادة الكاملة" على القدس، عبر مسارات متعددة، أبرزها البعد الديمغرافي، الذي يتمثل في السعي إلى تغيير التركيبة السكانية لصالح المستوطنين.
المختص في شؤون القدس، فخري أبو دياب
ويوضح أبو دياب لـ "فلسطين أون لاين"، أن ذلك يتم من خلال سياسات هدم المنازل، ورفض منح التراخيص للفلسطينيين، وخلق أزمة سكن خانقة تدفع السكان إلى مغادرة المدينة قسرًا.
ويقول أبو دياب إن هذه السياسات تترافق مع الاستيلاء على الممتلكات، وبناء وحدات استيطانية جديدة، في إطار تكريس الوجود الإسرائيلي على حساب الوجود الفلسطيني، لافتًا إلى أن الاحتلال يستغل الظروف الجيوسياسية الراهنة، من حروب وأزمات في المنطقة، لتسريع وتيرة هذه الإجراءات بعيدًا عن الأضواء.
ولا يقتصر التصعيد على الجانب السكاني، بل يمتد ليشمل محيط المسجد الأقصى، الذي يشهد، بحسب أبو دياب، تركيزًا خاصًا من سلطات الاحتلال، في محاولة لتغيير الواقع القائم وفرض وقائع جديدة. ويشير إلى أن هذه السياسات تشمل حفريات ومشاريع تهويدية، تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد العام للمدينة، وإضفاء طابع ديني وتاريخي مغاير لهويتها الأصلية.
وفي السياق ذاته، يلفت أبو دياب إلى تضييق متزايد على المقدسيين في حياتهم اليومية، من خلال فرض الضرائب، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستهداف المنشآت التجارية، ما يؤدي إلى إفراغ المدينة تدريجيًا من سكانها الأصليين. كما يشير إلى تصاعد قرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى، ومنع الوصول إليه، في انتهاك واضح لحرية العبادة، التي باتت، وفق وصفه، غير متاحة لغير اليهود في المدينة.
ويحذر من أن هذه السياسات لا تهدف فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى طمس الهوية العربية والإسلامية للقدس، من خلال تغيير أسماء الشوارع، وإقامة مشاريع يغلب عليها طابع الاسرلة، ضمن ما يسميه الاحتلال "مشروع أورشليم"، الذي يسعى إلى إعادة تشكيل المدينة وفق رواية توراتية.
اقرأ أيضًا: محافظة القدس تحذر من عدوان إسرائيلي خطير يستهدف شمال المدينة
من جانبه، يرى الباحث في شؤون القدس صالح دياب، أن المدينة تمر بواحدة من أخطر مراحلها، خاصة بعد السابع من أكتوبر، حيث تصاعدت الإجراءات بشكل غير مسبوق، في ظل غياب أي رادع قانوني أو دولي.
ويصف دياب في حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، الواقع في القدس بأنه "حزين وخطير"، مشيرًا إلى أن الأوضاع في المدينة باتت معزولة عن الاهتمام الدولي، في ظل تركيز الأنظار على ما يجري في غزة ولبنان ومناطق أخرى.
ويؤكد دياب أن المستوطنين باتوا يمارسون اعتداءاتهم بشكل متزايد، تصل إلى اقتحام المنازل والاعتداء على السكان، في ظل غياب المساءلة، ووجود بيئة قانونية تسمح بمثل هذه الانتهاكات. ويضيف أن عمليات هدم المنازل تتصاعد بشكل يومي، خاصة في البلدة القديمة وأحياء القدس المختلفة، ما يهدد بعمليات تهجير واسعة النطاق.
ويشير إلى أن هذه السياسات ليست جديدة، بل تأتي ضمن مخططات قديمة تهدف إلى إحداث "ترانسفير" تدريجي للفلسطينيين من المدينة، مؤكدًا أن ما يجري اليوم هو تنفيذ عملي لتلك المخططات، في ظل ظروف مواتية للاحتلال.
كما يلفت إلى أن القيود المفروضة على حرية التعبير في القدس وصلت إلى مستويات خطيرة، حيث قد يتعرض المواطن للاعتقال الإداري لمجرد التعبير عن رأيه، ما يحدّ من قدرة المقدسيين على توثيق أو مواجهة ما يتعرضون له من انتهاكات.
ورغم هذا الواقع، يشدد دياب على أهمية صمود المقدسيين، مشيرًا إلى أن تجارب سابقة، مثل ما حدث في حي الشيخ جراح، أظهرت قدرة السكان على مواجهة سياسات التهجير، خاصة عندما تتوفر حالة من التضامن والدعم الدولي.
في المحصلة، تكشف المعطيات الميدانية وشهادات المختصين عن تصعيد شامل في القدس، يستهدف إعادة تشكيل المدينة ديمغرافيًا وجغرافيًا، وفرض واقع جديد على الأرض. وبينما تتواصل هذه السياسات بوتيرة متسارعة، يبقى مصير المدينة مرتبطًا بمدى قدرة سكانها على الصمود، وبحجم التفاعل الدولي مع ما يجري، في وقت تبدو فيه القدس أكثر عزلة من أي وقت مضى.