فلسطين أون لاين

صراخ في زمن الأفول: تناقضات ترامب اضغاث احلام ام هلوسة سكران؟

من حق أي إنسان أن يحلم، وأن يخطط لتحقيق أحلامه وأهدافه بما يستطيع دون كلل أو ملل. (من رام وصل الشمس حاك خيوطها سبباً إلى آماله وتعلقاً). ومن الناس من يسلك كافة السبل المشروعة وغير المشروعة للوصول إلى أحلامه تحت عنوان ( الغاية تبرر الوسيلة ) ، ومنهم من تأبى نفسه ذلك، فما شراء النصر بالجور أو بالخداع والمكر إلا جنوح إلى هاوية الرذيلة. فالدنيا زائلة والمواقف باقية، والنفس مصيرها في غد، لحد، مهما وسع الدفان فيه، لن يخرج منه إلا يوم الحشر،( يومئذ على الكافرين عسير ) والغريب أن الإنسان يدرك تلك الحقيقة، لكنه يتمادى في غيه للوصول إلى أهدافه أياً كانت الأهداف و السبل، غير مبالي بسوء المصير. والتاريخ مليء بنماذج من الفريقين: (فريق في الجنة وفريق في السعير)، ذلك وعد الله (وعد غير مكذوب ) ، ( ومن أصدق من الله قيلاً ) ؟.

و في واقعنا المعاصر، يطل علينا ترامب بين الفينة والأخرى بتصريحات وتغريدات يختلط فيها الصدق والكذب، والجد والهزل، والوعد والوعيد والمدح والنقيض والإقدام والإحجام ، حتى يظن بالرجل حماقة وما هو بالاحمق ، بل يتحامق قاصدا خلط الأوراق وتشوش الرؤى ، سعياً لتحقيق غاياته بأي ثمن. لكن سرعان ما ينقلب السحر على الساحر ، فينفضح كذبه ، وتخيب ألاعيبه ، فحبل الكذب قصير، وكثرة التناقضات تفضح صاحبها عاجلاً أم آجلاً. لتبقى الحقيقة كالشمس ناصعة ، كاشفة بانه خسر المعركة ، وخسر المفاوضات ، وان حال الإعلان عنها سحب ضلال الإعلام العبري ، وقد آن الأوان للعالم أن يستفيق من غفلته ، ويتحرر من عبوديته ، فيرسم مستقبله بعيدا عن غطرسة امريكا ، ووهم عظمتها المتصدع على صخور مضيق هرمز .

لقد تحولت الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في عهد ترامب إلى أحلام يقظة يصرخ بها بأعلى صوته، متوهماً أن العالم لا يزال على استعداد لتقديم ولاء الطاعة لواشنطن ، يردد بصوت عال : أمريكا أولاً، و على العالم أن يدفع ثمن البقاء تحت الوصاية الأمريكية ، وصف حكام الخليج بلغة الاستهزاء والاستحقار بـالبقرة الحلوب ، نال من قادة أوروبا علناً، يحتقر هذا ويوبخ ذاك ، في مشاهد تفضح الاستعلاء الأمريكي ، وما بعد الاستعلاء إلا الهبوط و الهاوية ، وتلك نتيجة حتمية لسنن الله في الحياة ، وبالعكس مما رسم له ساسة البيت الأبيض كانت النتائج مخيبة لاحلامهم ، فبدلاً من أن تكون أمريكا أولاً، أصبحت أمريكا وحيدة في عزلة تطلب المدد من حلفاء ، فيدرك الحلفاء خطر غطرستها وخطر ما يخطط له ترامب ، فيعلنوا رفضهم مشاركته في حرب سجرها بتحريض من تل ابيب ، لترميم امبراطورية بان تفككها وزوالها ، أراد ترامب أن يعيد صياغة العالم وفق مقاس أحلامه، لكنه فوجئ بأن العالم قد تغير، وأن إمبراطورية القطب الأوحد آخذة في الأفول. فها هو حلف الناتو يخذله، ودول الاتحاد الأوربي يعتذرون عن انقاذه مما صار اليه ، بعض قادة حلف الناتو يفكرون جدياً في إنشاء تحالف عسكري دون أمريكا، محملين إياه مسؤولية الأزمات الاقتصادية العالمية و الحروب التجارية، و ارتفاع أسعار الطاقة، و إغلاق مضيق هرمز، وشلل الإمدادات النفطية.

ان احلام ترامب قادته إلى إعلان عدائه لكل الحنسيات لا سيما دول الشرق الأوسط بشكل عام والدول الإسلامية والعربية بشكل خاص وكانت حصة ايران من ذلك العداء تفوق جميع ما تضمره نفسه المريضة من حقد وضغينة ، ان عداءه لإيران ليس وليد اللحظة، ولا هو ناتج عن البرنامج النووي الإيراني أو ملف حقوق الإنسان، بل هو امتداد لسياسات أمريكية تراكمية تعود إلى عام 1979. صحيح أن أمن إسرائيل يشكل هدفاً استراتيجياً لواشنطن، لكن النفط وممرات الطاقة في منطقة الخليج لا تقل أهمية. بل إن هناك هدفاً أعمق: محاصرة الصين وروسيا ، ولا يكون ذلك إلا بسقوط ايران ، *فالسيطرة على مضيق هرمز وطريق الحرير ، و نفط الخليج ، طريقا لخنق الصناعة الصينية وتجفيف موارد روسيا* ، ولهذا السبب تحديداً، تقف الصين وروسيا إلى جانب إيران في تحالف استراتيجي ، ليس حباً بها، و لا خوفا منها ، بل لأنها تمثل الجدار الذي يرتطم به جنون الهيمنة الأمريكية. إنه تحالف استراتيجي قائم على المصالح، يقدم دعماً في المجالات الاستخباراتية والعسكرية والدبلوماسية، دون تورط مباشر في الصراع الدائر ، تفاديا لسقوط هذا الجدار، الذي بسقوطه يصبح الطريق ممهداً لابتلاع بقية المنطقة، والالتفاف على موسكو من الجنوب، وخنق بكين من الغرب.

ان جنون العظمة الذي تلبس ترامب جعله يفقد بوصلة الصواب ، هدد بسحق حضارة امة ، فاذا به يتوسل باكستان لاقناع من هدد بسحق حضارتهم بقبول الهدنة لوقف الحرب وإجراء المفوضات ، عله يكسب في ميدان الدبلوماسية ما عجز عنه في ميدان التوحش ، ومع احقية سقف المطالب الإيرانية وإصرارها على نيل حقوقها على طاولة إسلام آباد ، اعلن حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية ، وقام بقرصنة احدى السفن الإيرانية ، ليوهم العالم باستمرار تحكمه بزمام الأمور ، فردت إيران بما يفقد الصواب الأمريكي ويعيد كفة الميزان لصالحها ، فقامت باستهداف بعض السفن وحجز سفن اخرى ، في تحد يعلن انها حاضرة لجميع الاحتمالات ومستعدة لخلق عالم جديد ، ليس فيه امريكا ، و فيما تعلو و تخفت صيحات ترامب لتغطي فشله بكسر شوكة ايران و طي صفحة المقاومة، كسرت ايران معادلات الردع التكنولوجي والعسكري لأمريكا واسرائيل ، و رجحت كفة محور المقاومة على امريكا واسرائيل رغم التفوق التكنولوجي و العسكري لأمريكا واسرائيل ، أظهرت ايران للعالم أن الترهيب العسكري والتفوق التكنولوجي والإعلامي لم يعد يجدي نفعاً أمام إرادة الشعوب الحرة.

أراد ترامب خنق إيران استجابة لإسرائيل، فخنق أسواق الطاقة العالمية وعاقب المنتجين أنفسهم، الذين راهنوا على البوارج الحربية الأمريكية في تحقيق مصالحهم ، حارب إيران، فخسر الناتو، وابتعدت أوروبا، وخذلته لندن، بينما مدّت الصين وروسيا جسور التقارب مع طهران لقطع الطريق على أحلامه.

بات ترامب اليوم في مأزق وجودي لا يجد مخرجاً منه. استطلاعات الرأي في امريكا تظهر تراجع شعبيته إلى 30% بسبب حروبه. والنفط الذي حارب من أجله تحول إلى وقود أحرق أوهامه وشتت حلفاءه ، إعلانه المفاجئ بتمديد وقف إطلاق النار بشكل أحادي ولأجل غير مسمى، هو إعلان يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بالفشل على كافة المستويات ، فشل في الحرب منذ اليوم الاول كما فشل في المفاوضات منذ الإعلان عنها ،خسر ترامب الحرب كما خسر المفاوضات ، لكنه ما زال يكابر ويحاول تسويق التراجع على أنه إنجاز .

جعل امريكا في ورطة حقيقية فمن جهة، لا يستطيع إنهاء الحرب دون لقطة نصر أو صورة انتصار تحفظ لامريكا هيبتها أمام حلفائها و العالم . ومن جهة أخرى، يخشى العودة إلى الحرب بشكل كامل بسبب استنفاد أغراضها وتداعياتها وتكلفتها العالية ، ومن جهة ثالثة، لا يستطيع الذهاب إلى تفاوض حقيقي بعد فقدان أوراق قوته في مضيق هرمز ، وصحراء أصفهان.

إن ما نراه اليوم من تخبط ترامب في تغريداته وتصريحاته ليس مجرد سياسة خاطئة، بل هو هلوسة إمبراطورية تعالج سكرات الموت ، هي مرحلة لم تعهدها أمريكا من قبل. وربما تكون بداية السقوط، كما يرى ابن خلدون في مقدمته، الذي يؤكد فيها ان الدول تمر بأطوار ثلاث: النشأة، القوة، ثم الهرم والسقوط.

وغالباً لا يتجاوز عمر الدولة ثلاثة أجيال (حوالي 120 عاماً)، يبدأ الجيل الأول بالبناء، والثاني بالاستقرار، والثالث بالترف والانهيار ،و قد اجتمعت عوامل الزوال من اختلاط الصدق بالكذب، وكثرة القتل، وسوء التدبير في سياسات ترامب التي جعلت من أمريكا دولة منبوذة حتى من حلفائها التقليديين.

إن أحلام اليقظة التي يعيشها ترامب، كزعيم اعلى للعالم ، على الجميع طاعته، اصطدمت بحائط الصد الإيراني الذي بدد احلام يقظته إلى واقع مر يتجرعه على مضض ، فلا هو يستطيع اكمال الحرب ولا ايران ترضخ لمطالبه ، تغريداته وتصريحاته لا تصنع انتصارات ، و تناقضاته لا تبني ما هدمته غطرسته ، لكنها ملاذه مما جنته يداه ، إعلان نفسه يسوعا او مبعوثا من السماء لنشر السلام ، لن تغير حقيقة إجرامه ، ولن تغير سنن الله في حتمية زوال إمبراطوريات الظلم وإن طالت مدتها ، ما دام هناك من يؤمن بالحق و يدافع عن الحق ، أن الدول التي تبنى على الظلم وتستمد وجودها من دماء الشعوب مصيرها - لا محالة - الفناء.

المصدر / فلسطين أون لاين