منذ أكثر من عام، يلازم أبٌ فلسطيني دوّار البركة وسط مدينة دير البلح، محدّقًا في وجوه المارّة، لعلّ ملامح ابنه زياد تمرّ صدفة. فمنذ ليلة باردة في 11 فبراير/شباط 2024، خرج الشاب زياد محمد حرب صبّاح (23 عامًا) من منزله، ولم يعد، تاركًا عائلته عالقة بين أملٍ لا ينطفئ وغموضٍ يزداد قسوة مع مرور الوقت.
في تلك الفترة، كان قطاع غزة يعيش ظروفًا استثنائية مع تصاعد العمليات العسكرية وانعدام الأمان، ما جعل أي خروج من المنزل محفوفًا بالمخاطر. يروي والده اللحظات الأخيرة: "خرج زياد قرابة الساعة الحادية عشرة ليلًا، حاولت منعه لأن الأوضاع كانت خطرة، لكنه أصرّ وغادر. انتظرت عودته كما في كل مرة، لكن الانتظار طال ولم يعد، ولم يترك أي أثر يدل على وجهته".
ويضيف لـ "فلسطين أون لاين": "بعد ساعة من تأخره، خرجت للبحث عنه، ثم شارك إخوته في تمشيط محيط المنزل والمناطق القريبة، لكن دون جدوى". وبحسب العائلة، كان زياد يعاني اضطرابا نفسيا يُرجّح أنه ضمن طيف التوحّد، ما زاد من مخاوفهم عليه منذ لحظة اختفائه.
لكن معاناة الأسرة لم تتوقف عند الفقد، بل تحوّلت إلى رحلة يومية من الانتظار والبحث. فمنذ الساعات الأولى، اعتاد الأب التوجّه يوميًا إلى دوّار البركة، حيث يجلس لساعات طويلة، من الصباح حتى المساء، يراقب الوجوه. يقول: "كنت أحدّق في وجوه الناس بحثًا عنه، لعلّي أراه في لحظة عابرة".
اقرأ أيضًا: المفقودون في غزَّة... جرح مفتوح لا تداويه الأيَّام
ورغم قسوة الطقس خلال تلك الفترة، بين بردٍ شديد وأمطار متواصلة، واصل الأب جلوسه في العراء. "كنت أبقى حتى في المطر والبرد القارس، لا أشعر بشيء سوى أنني أريد أن أراه"، يضيف بصوت مثقل.
ويعاني الأب من أمراض مزمنة، بينها أزمة صدرية ومرض السكري، ما جعل ظروف الانتظار أكثر قسوة، خاصة مع الدخان الكثيف المنبعث من المركبات التي تعمل على زيوت القلي المحروقة نتيجة شحّ الوقود. يقول: "كنت أختنق من العوادم، لكنني لم أستطع مغادرة المكان".
ورغم تدهور حالته الصحية، استمرّ على هذا النحو قرابة شهرين، وكأن جلوسه في المكان أصبح وسيلته الوحيدة لمقاومة فكرة الغياب.
بالتوازي، واصلت العائلة عمليات البحث في مختلف مناطق القطاع، متنقلة بين دير البلح وخان يونس ورفح، ملاحقة أي خيط قد يقود إلى زياد. يقول والده: "ذهبنا إلى كل مكان قيل إنه شوهد فيه، ولم نترك مستشفى أو مركز إيواء إلا وسألنا عنه، حتى بين الجثامين بحثنا، لكن دون نتيجة".
اقرأ أيضًا: مفقودون لم يعودوا من "مصائد الموت"... لا قبر ولا خبر
ومع النزوح الجماعي، ازدادت صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة، في ظل تضارب الشهادات. "أخبرنا أحدهم أنه شاهده قرب دوار البركة، فتوجهنا فورًا وبحثنا لساعات، لكن بلا جدوى"، يضيف الأب.
ولم يكن زياد يحمل هاتفًا محمولًا أو أوراقًا ثبوتية عند خروجه، ما صعّب عملية تتبّع أثره أو التعرف عليه.
ورغم مرور أكثر من عام، لا تزال العائلة تعيش في دائرة انتظار مفتوحة. يقول والده: "لا نعلم إن كان حيًا أم ميتًا… هذا الغموض هو الأقسى".
قصة زياد ليست حالة فردية، بل واحدة من مئات قصص المفقودين في قطاع غزة، حيث تعيش عائلات كثيرة بين بحثٍ لا يتوقف، وأملٍ هشّ، وغيابٍ يترك أسئلة بلا إجابات، في ظل واقع معقّد وصعوبة الوصول إلى الحقيقة.