قائمة الموقع

انتخابات 25 أبريل حين يصير صندوق الاقتراع عنواناً للبقاء

2026-04-28T08:31:00+03:00
فلسطين أون لاين

 تحرك الفلسطينيون في الضفة الغربية ومدينة دير البلح نحو مراكز الاقتراع لا لمجرد الإدلاء بأصواتهم في انتخابات محلية بل لتوجيه رسالة سياسية بليغة في توقيت استثنائي، هذه الانتخابات التي جرت لم تكن حدثاً إجرائياً عابراً بل كانت استفتاءً شعبياً على معنى الدولة والوطن والكيان في لحظة وجودية فارقة.

إن المشهد الفلسطيني وهو ينتخب مجالسه البلدية والقروية تحت سقف الاحتلال وفي ظل إرث ثقيل من الدمار في غزة لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه الاستراتيجي ،ففي الجوهر تجسد هذه الانتخابات المقاومة المدنية في أرقى تجلياتها.

نحن هنا أمام معادلة ديمقراطية فريدة حيث يتحول صندوق الاقتراع إلى أداة للصمود الوطني وحيث يكون الإدلاء بالصوت في حد ذاته تحدياً لمحاولات الفصل والاجتثاث.

إنها الانتخابات التي تكتب بالحبر البنفسجي على أصابع الناخبين شهادة ميلاد متجددة للكيان الفلسطيني وتؤكد أن الشرعية لا تستجدى من الخارج بل تستمد من صناديق الاقتراع.

لقد اختير اجراء الانتخابات في توقيت هام و بالغ الحساسية لإجراء هذا الاستحقاق لترتيب البيت الداخلي.. جاء القرار ليؤكد أن الإعمار السياسي لا يقل أهمية عن إعمار الحجر ،إن إجراء الانتخابات وخصوصاً في دير البلح هو إعلان صريح بأن مسار غزة هو جزء لا يتجزأ من مسار الدولة وأن محاولات الفصل الجغرافي والسياسي مصيرها الفشل أمام إرادة شعب يصر على وحدة مصيره.

إن دير البلح المدينة التي اختيرت لتكون النافذة الانتخابية الوحيدة في القطاع تمثل رسالة بأن غزة رغم الجراح حاضرة وأن صوتها وإن خفت تحت الأنقاض يجب أن يسمع، إن إجراء الانتخابات في نطاق جغرافي محدود بغزة يعكس إمكانية استعادة وحدة المسار الانتخابي الفلسطيني ويفتح الباب أمام انتخابات أوسع.

وعلى صعيد الخطاب جاءت الرسالة واضحة ومنضبطة ،لقد حرصت لجنة الانتخابات المركزية على تأكيد كفاءة الدولة عبر إدارة عملية انتخابية معقدة في مئة وثلاث وثمانين هيئة محلية وبنظام انتخابي جديد يجمع بين التمثيل النسبي بالقوائم المفتوحة في البلديات ونظام الأغلبية في القرى، هذا الحرص المؤسسي عكس نبرة هادئة ركزت على الطابع الخدمي والتنموي المحلي.

لقد كانت نسبة المشاركة التي بلغت نحو ثلاثة وخمسين فاصل أربعة وأربعين بالمئة في الضفة واثنين وعشرين فاصل ستة وستين بالمئة في دير البلح شهادة حية على حيوية الجسد الفلسطيني رغم التحديات الجسام المتعلقة بتحديث السجل المدني وتداعيات الحرب والنزوح.

أما إعلامياً فقد بدا المشهد متوازناً حيث يجري التحول من شخصنة الفوز إلى إبراز البرامج، التغطية الإعلامية مطالبة بالتركيز على ما ستقدمه المجالس المنتخبة من خدمات وهو ما يعيد تعريف العملية الانتخابية كأداة للمحاسبة والتنمية لا كصراع على المغانم.

هذا الخطاب يكتسب أهمية خاصة في اللحظة الراهنة حيث يقدم الفلسطينيون نموذجاً ديمقراطياً مغايراً لكل الصور النمطية السائدة وعلى المسرح الدولي يمكن البناء على هذا الحدث لتحقيق اختراق دبلوماسي.

إجراء انتخابات نزيهة وشفافة في أجواء من الحرية النسبية هو بطاقة اعتماد أمام العالم،يمكن للدبلوماسية الفلسطينية أن تنطلق من هذا المشهد الحضاري لتأكيد أهلية الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه كاملة والمطالبة بإنهاء الاحتلال الذي ما زال يعرقل مسيرة الحياة والديمقراطية.

فالمواطن الذي تحدى إجراءات الاحتلال في الخليل للإدلاء بصوته هو نفسه أكبر حجة على ضرورة رفع القيود والظلم الواقع على شعب بأكمله، وقد رحب الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول بإجراء الانتخابات مؤكدين أنها تتيح للفلسطينيين فرصة تجديد شرعيتهم الديمقراطية وأن ممثلي بعثاتهم الدبلوماسية كانوا على الأرض لمواكبة العملية الانتخابية.

في المحصلة النهائية إن انتخابات الخامس والعشرين من أبريل عام ستة وعشرين ليست مجرد محطة في روزنامة العمل الوطني بل هي تتويج لفعل الصمود.

إنها ترجمة عملية لمقولة أن الدولة تبنى بالمؤسسات لا بالشعارات وبالقانون لا بالارتجال وبالوحدة لا بالتشرذم،ولعل هذا المشهد الديمقراطي على أهميته لا يمكن النظر إليه بوصفه محطة مكتملة بذاتها بل هو في العمق مقدمة ضرورية لإعادة بناء البيت السياسي الفلسطيني من أساسه.

ذلك أن الشعب الفلسطيني وهو مصدر السلطات والشرعيات بمقتضى القانون الأساسي والنظرية الدستورية الحديثة يظل محروماً من ممارسة هذا الحق في أرفع تجلياته الانتخابات البرلمانية التي تجدد هيبة المجلس التشريعي والانتخابات الرئاسية التي تصون شرعية القيادة.

إن استكمال هذين الاستحقاقين لم يعد ترفاً سياسياً أو خياراً مؤجلاً بل هو ضرورة وطنية عاجلة لإنهاء حالة الفتور الدستوري التي طال أمدها ولإعادة ضخ الدماء في شرايين المؤسسة الفلسطينية التي تستمد قوتها من إرادة الناخبين ،فانتخابات دير البلح والضفة بما جسدته من توق إلى العقد الاجتماعي هي الشاهد الأبلغ على جاهزية هذا الشعب لتجديد العهد مع صندوق الاقتراع.

إنها دعوة للعبور بهذا الصندوق من المحلية إلى الوطنية ثقة بأن تجديد الشرعيات هو الطريق الوحيد لتحصين البيت الداخلي وإثباتاً للعالم أن الفلسطينيين لا ينتظرون دولتهم فحسب بل يمارسونها ديمقراطياً كلما أتيحت لهم الفرصة،من دير البلح التي تحدت الخراب إلى الخليل التي تحدت الاحتلال أثبت الفلسطينيون مجدداً أن شرعية وجودهم لا تنتزع بل تمارس.

إن صناديق الاقتراع التي فتحت ذلك اليوم لم تكن مجرد حاويات للأوراق بل كانت في العمق صناديق حفظ للهوية الوطنية تؤكد للقاصي والداني أن هذا الشعب باق على أرضه يمارس حياته ويصوغ مستقبله وينتظر حريته.

اخبار ذات صلة