في وقتٍ كان يُفترض أن يشكل اتفاق وقف إطلاق النار بوابةً لانفراجة إنسانية عاجلة، يجد مئات آلاف النازحين في قطاع غزة أنفسهم أمام واقعٍ أكثر قسوة، إذ تتبدد وعود الإغاثة وإعادة الإعمار، وفي مقدمتها إدخال البيوت المتنقلة، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
وعلى الرغم من الترحيب الأمريكي والدولي بالاتفاق الذي توسطت فيه دول عربية وإسلامية، فإن استمرار انتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي وما يرافقها من قصف واغتيالات ونسف وتدمير، حال دون ترجمة الاتفاق إلى خطوات عملية تخفف من معاناة المواطنين ولا سيما المدمرة منازلهم.
وتتسع الفجوة يومًا بعد يوم، بين ما أُعلن من التزامات إنسانية، وما يعيشه النازحون على الأرض، إذ تحوّلت الآمال التي عُلّقت على الوسطاء والضمانات الدولية إلى حالة من الانتظار المفتوح، مع غياب أي مؤشرات حقيقية على بدء الإعمار أو إيجاد حلول إيواء مؤقتة.

وبينما تتواصل التصريحات السياسية، يبقى النازحون عالقين بين وعود لم تُنفذ وواقعٍ مميت تفرضه الخيام والقصف معًا.
في خيمةٍ مصنوعة من القماش على أطراف حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة المنهك بفعل الخروقات الإسرائيلية، تجلس صباح مطر تحدّق في الأفق، كما لو أنها تنتظر شيئًا لم يأتِ، فمنذ شهور وهي تسمع الوعود ذاتها: بيوت متنقلة في الطريق، إعمار قريب، وتحسّن وشيك في الظروف المعيشية.
لكن الواقع، كما تصفه، "لم يتغير سوى نحو الأسوأ".
كغيرها من آلاف العائلات التي دُمّرت منازلها خلال الحرب الأخيرة، تعلّقت مطر بوعود الإغاثة التي رافقت الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، وبدأ سريانه يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025. حينها، بدا الأمل ممكنًا، وتحدث الوسطاء عن إدخال بيوت متنقلة بشكل عاجل لإيواء النازحين، تمهيدًا لبدء عملية إعادة الإعمار.
غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت مع استمرار انتهاكات جيش الاحتلال التي جعلت اتفاق وقف النار، مُثقلاً بالخروقات، ورافق ذلك تأخر في إدخال أي حلول ملموسة.
"قالوا لنا اصبروا، البيوت الجاهزة في الطريق"، أضافت مطر لصحيفة "فلسطين"، وهي تشير إلى خيمتها المصنوعة من القماش وتداري بها أفراد أسرتها التسعة، بينهم زوجها المصاب برصاصة إسرائيلية أطلقتها مسيَّرة حربية من نوع "كواد كباتر".

"لكننا لا نرى إلا الطائرات في السماء، والقذائف التي تُلاحقنا شظاياها في الخيام" تابعت قولها بغضب.
المشهد ذاته يتكرر في مناطق عدة من قطاع غزة، حيث يعيش النازحون في ظروف قاسية، بين خيامٍ لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، وبين خوف دائم من تجدد القصف.
ومع كل يوم يمر، تتآكل ثقة الناس بتلك الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
ويؤكد طارق عبد ربه، الذي يعيل أسرة مكونة من 5 أفراد، أن أكثر ما يؤلمه ليس فقدان منزله فحسب، بل شعوره بأنه "خُدع مرتين"؛ الأولى حين دُمّر جيش الاحتلال بيته في بلدة جباليا، شمالي قطاع غزة، والثانية حين صُدّق أن هناك حلولاً قريبة.
أضاف لـ"فلسطين"، "سمعنا عن اتفاق وعن ضمانات، وعن مراقبة دولية، لكن لم يتغير شيء.. ما زلنا نعيش تحت النار".
ويشير نازحون إلى أن الوسطاء الذين أشرفوا على اتفاق وقف إطلاق النار، اكتفوا بالمواقف السياسية والتصريحات الإعلامية، دون أن يتمكنوا من إلزام الاحتلال بتنفيذ بنود الإغاثة، وعلى رأسها إدخال البيوت المتنقلة ومواد البناء.
وبينما تستمر البيانات الدولية في التأكيد على أهمية حماية المدنيين، يواجه هؤلاء واقعًا مختلفًا، تُقوّضه الغارات المتكررة والانتهاكات المستمرة.
ويواصل الاحتلال خروقاته لوقف إطلاق النار، رغم التحذيرات المحلية والدولية من تداعيات انتهاكاته بحق المدنيين، والتحكم المستمر بمعابر غزة، والحيلولة دون وصول احتياجات أكثر من مليوني نسمة بانتظام.
ويروي محمد أبو عودة، وهو نازح من بلدة بيت لاهيا، شمالي القطاع، تفاصيل رحلته مع الانتظار.
قال لـ"فلسطين: "إنه غادر منزله تحت القصف، على أمل أن تكون عودته قريبة، لكن الشهور مضت دون أن يتحقق أي من الوعود التي سمعها".
وأضاف: ""سمعنا عن اتفاق وقف النار، وأن البيوت المتنقلة ستدخل خلال أيام، لكننا ما زلنا هنا، بلا مأوى حقيقي".
ولم يجد هذا الرجل، الذي يعيل أسرة مكونة من 7 أفراد، سوى بقايا منزل مدمر لجأ إليه مع زوجته وأبنائه الخمسة.
وتابع: "نسمع عن ترحيب دولي باتفاق وقف النار، وعن جهود وساطة، لكن لا نرى شيئًا على الأرض.. الخيام لا تحمينا، والقصف لم يتوقف".
ويرى حقوقيون ومختصون في الشأن الإنساني، أن الفجوة بين وعود الإغاثة والإعمار والتطبيق على الأرض، تُعمّق الأزمة النفسية والاجتماعية لدى النازحين العالقين في دائرة من الانتظار غير المحدود، مؤكدين أن غياب جدول زمني واضح للإعمار، وعدم توفر ضمانات حقيقية لتنفيذ الاتفاق، يزيد من حالة الإحباط وفقدان الثقة.

