بعد أن انتصف نهار يوم الجمعة الماضي في بلدة بيت لاهيا، توزع أفراد عائلة الطناني في أنحاء منزلهم الذي يبعد عما يسمى الخط الأصفر 700 متر: إسلام الأم الحامل بتوأمين وأبناؤها الأربعة وزوجها وأسرة أخيه. تبادل خالد مع نجله حمزة (14 عاما) أطراف الحديث، وما إن استدار قليلا حتى سقطت قذيفة إسرائيلية دون إنذار.
"يابا انت بخير؟..."، صرخ خالد وأبناؤه على وقع الصدمة، كل منهم يسأل الآخر عن حاله، وبعد 30 ثانية فقط أصابت المنزل ثلاث قذائف إسرائيلية أخرى، وأعقبها إطلاق نار مستمر من قوات الاحتلال لثماني دقائق. في فترة وجيزة، امتلأ البيت بالدم.
في ذلك المنزل الواقع خلف مستشفى كمال عدوان، والمحترق سابقا بنيران حرب الإبادة، فقد خالد زوجته وطفليهما حمزة ونايا (5 أعوام)، وتضاعف ألم طفلته شذا التي لم تخسر فقط أمها وأخويها.. بل توأم روحها حمزة.
يئن خالد (43 عامًا) وهو ينظر إلى منزله، كأنه أصابه زلزال، قائلا لصحيفة "فلسطين" إنه عاد إلى مسكنه ليعيش فيه مع أسرته لتشبثه به وعزمه على البقاء فيه، واحتذى به العديد من جيرانه.
في 15 من شهر رمضان، شعر خالد بأن مكروها سيصيب الأسرة، لكن زوجته وأبناؤه أبلغوه قرارهم: "بنموت مع بعض أو بنعيش مع بعض". أجابهم: "أنا مرابط هنا"، فردت زوجته: "وأنا أيضا".
كان ذلك بعد رحلة نزوح قسري عانت فيها العائلة الأمرين، وتشردت في رفح وخان يونس وغيرهما في خيام لا تقي حرا ولا مطرا، قبل أن تعود إلى منطقة سكنها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
لا يتمالك خالد دموعه، وتختنق حنجرته بحزن جاثم على صدره. عن يوم الجمعة الذي بدا عاديا وتحول إلى فاجعة، يقول: تناولنا طعام الغداء، وأوصلت للأولاد شبكة الإنترنت. كانت شذا في غرفتها، وحمزة يتصفح هاتفه، ونايا في الطابق الأول الذي يقطنه عمها وأسرته، ومحمد (٢٠ عاما) في الخارج.
يضيف: أما أنا فخلدت إلى النوم قليلا وكانت زوجتي بجواري. بعد قليل دعاني ابن عمي في الطابق الأول لزيارته مع حمزة. وهناك ذهب ابني لإيقاد النار لإعداد المشروبات في منطقة مغلقة وغير مرئية لجيش الاحتلال خصصناها لأغراض الطهي منذ عودتنا بعد النزوح القسري الأخير.
يتحامل خالد على نفسه في وصف منزله المحترق بأنه "أفضل من بيوت كثيرة في شمال غزة" المدمرة بشكل شبه كامل، مضيفا: "عشت فيه من ناحيته الغربية، أما الشرقية فهي مفرغة وابتعدت عنها".
في منطقة سكنه التي تشبث بها مع عائلته، عاش خالد فصولا من الخطر على مدار تواجده فيها. يقول: "الاحتلال يرصد من هم بداخل أو خارج المنازل. طائرات الكوادكابتر صورتنا أكثر من 20 مرة، واقتحمت بيوتنا".
دماء نازفة
يوم المجزرة، لاحظ حمزة تحليق طائرات إسرائيلية من نوع "كوادكابتر". هرع لأبيه: "يابا في طيارات شكلها حاملة قنابل الله يستر"، فرد عليه: "والله يابا شكله حلمك بدو يتحقق".
أعادهم هذا الحدث إلى ما رآه حمزة يوما في منامه. يقول والده بأسى: رأى جده ضاحكا ويطلب منه أن يوصل لي السلام. حينها كأن إحساس شذا أخبرها بما سيحصل، وقالت: "ايش يخو شكلنا بدنا نروح عند ربنا كلنا اليوم".
بعد قليل، انسحب حمزة باتجاه النار للتأكد من اشتعالها، وما إن استدار حتى سقطت القذيفة الأولى. كان الجميع لا يزالون أحياء. صرخوا للتأكد من نجاتهم التي لم تدم.
لم يمهلهم الاحتلال كثيرا. بعد 30 ثانية فقط أطلق عليهم ثلاث قذائف متتابعة. يروي خالد: "طخوا علينا 8 دقائق متواصلة. حمزة لقيته مستشهد. كل جسمه شظايا، دخلت عند بنتي بتقولي: انت بخير؟ قلت لها: الحمد لله".
توجها إلى الشرفة بحثا عن شيء من الضوء. عيناهما مملوءة بالغبار والرمال، وفي أثناء خروجه من الغرفة ليطمئن على زوجته وابنته شذا، كان الاحتلال يطلق النار مباشرة باتجاههم.
صدم خالد بأن زوجته (٤١ عاما) الحامل بتوأم في الشهر الرابع لا تتحرك، ودمها نازف بكثرة. حاول مواساة نفسه وتقويتها: "أم محمد... اصبري، والله إنك قوية"، لكنها ظلت ساكنة.
بعد ثوان، حضر ابنه محمد، حينها رفعت يدها وحاولت أن تتحرك، كانت تريد أن تناديه. جلس بحوارها، تحدث معها. لم أسمع شيئا بسبب صوت إطلاق النار.
أما نايا الطفلة التي يصفها والدها بأنها فراشة، أصيبت في رأسها الذي نزف منه سيل من الدماء. لم تحتمل سوى ساعة واحدة في العناية المركزة حتى فارقتها الروح.
يختنق صوت خالد: "أم محمد.. ما مشينا فيها كيلومتر إلا استشهدت بالإسعاف". ثم يصمت باكيا، كأنما سحبت منه روحه، أو زج في نفق معتم لا ضوء في نهايته.
ولم تكن أم محمد حالة فردية؛ إذ تشير معطيات رسمية إلى وفاة أكثر من 494 جنينًا داخل الأرحام خلال حرب الإبادة على غزة.
في ذروة وجعه، يستعيد صورة جثمان حمزة، قائلا إنه كان "كتلة متفحمة".
صمتت القذائف، لكن أصواتها لا تزال تدوي في نفسه، وأثارها تأكل جسده. أصيب خالد بشظايا في عينه وساقيه، وأصيبت شذا بشظية في صدرها.
رغم جراحها النفسية والجسدية، تسند شذا أباها بكلماتها: "يابا، اصبر واحتسب. أنت بخير ومحمد بخير. أمي أخدت معها ٢ (حمزة ونايا) واحنا ضلينا معك ٢"، فيرد عليها: "الحمد لله. هذا كرم من ربنا".
يقول الأب: لم تكن هذه المرة الأولى التي تعاني فيها شذا من الفقد. استشهد اثنان من أعمامها واثنان من أخوالها وجدها، لكنه يبدي صبره بالدعاء: "اللهم خذ من دمائنا حتى ترضى".
بين ثنايا الكلمات تفجر الوجع. لن ينسى خالد طفله حمزة، ولا طفلته الصغرى نايا تلك التي كانت تناديه: "خالد.. خلودي.. خليو..". ينتزع ابتسامة من براكين ألمه: "كانوا يقولون لها عيب.. ناديه بابا، فتقول: لا، هذا صديقي".
كانت نايا معلقة بوالدها، تقول له إنها لا تريد الزواج عندما تكبر، بل البقاء بجانبه. منذ ١٠ أيام التحقت برياض الأطفال، وبدأت بامتحان أبيها بما تدرسه هناك.
يستذكر أحد المواقف الأخيرة: "قالت لي إذا كان معك خمس تفاحات، وأخذت منك واحدة كم يبقى معك؟ مازحتها وقلت لها اثنتان. فسارعت بالقول: خطأ، شايف كيف أنا أشطر منك". يتوقف خالد عند كلماتها، ونظراتها، ومشاعرها.
يتنهد خالد قائلا بلسان حال شعبه: "الاحتلال ضيع لنا أحلامنا وطفولة أبنائنا وقتل زوجاتنا. حاول قتل كل حلم فينا في غزة. لا يريد أن نعيش".
وزوجة خالد وطفلاه هم من بين 809 شهداء ارتقوا في خروقات إسرائيلية منذ سريان اتفاق وقف الحرب في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
يتابع الرجل المكلوم بأن الاحتلال يتمنى أن يبتلع البحر أهالي غزة، أو أن يهجرهم من أرضهم، لذا فهو يستهدف الصغير قبل الكبير ويهدم الحجر، مردفا: هذه ليست حربا، هذه إبادة.
رغم ذلك، لا يزال خالد متشبثا بأرضه: "لو لفينا العالم كله مثل غزة العزة ما بتلاقي".
وفي نظرة واحدة كأنما شاهد فيها زوجته الحامل وطفليه الشهيدين، يقول: "نحن أيضا شهداء مع وقف التنفيذ... كل منا ينتظر دوره".