تشهد بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة تصعيدًا متواصلاً في القصف الإسرائيلي، على الرغم من إدراج أجزاء منها ضمن ما يُعرف بـ“المنطقة الخضراء” التي يُفترض أن توفّر حدًا أدنى من الحماية للمدنيين. ويأتي ذلك مع استمرار الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد بمزيد من الانهيار في الأوضاع المعيشية.
وبحسب إفادات جمعتها صحيفة “فلسطين”، فإن القصف الجوي والمدفعي لم يتوقف خلال الأيام الأخيرة، بل استهدف بشكل مباشر مناطق سكنية وخيام نازحين أقيمت قرب منازل مدمّرة، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى بشكل شبه يومي.
ويؤكد الأهالي أن هذه المناطق تخلو من أي مظاهر عسكرية، وأن السكان يلتزمون بالحدود المفروضة ضمن ما يُعرف بـ“المربعات الصفراء”، ما يجعل استهدافهم غير مبرر.
خيام متهالكة تحت النار
يقول محمد السلطان، من سكان محيط مستشفى كمال عدوان: “نعيش في خيام متهالكة قرب بقايا منازلنا، ورغم وجودنا في منطقة خضراء، لا يتوقف القصف. نفقد شهداء ونشهد إصابات بشكل شبه يومي، دون أي إنذار مسبق”.
ويضيف أن السكان يشعرون بأنهم مستهدفون بشكل مباشر، في محاولة لدفعهم نحو النزوح القسري من المنطقة.
بدوره، يشير محمود أبو عميرة إلى أن القصف يشتد خلال ساعات المساء، موضحًا أن “إطلاق النار يتم بكثافة وعشوائية، وكأن الهدف إرهاب السكان وإجبارهم على الرحيل”، مؤكدًا أن سقوط الضحايا بات مشهدًا يوميًا منذ إعلان وقف إطلاق النار.
ولا تقتصر معاناة السكان على القصف، بل تمتد إلى تدهور حاد في الظروف المعيشية، مع شح المياه الصالحة للشرب، وانعدام الخدمات الأساسية، وصعوبة الحصول على الغذاء. ويضطر الأهالي إلى قطع مسافات طويلة لتأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل غياب وسائل النقل وانهيار البنية التحتية.
أوضاع كارثية وتصاعد الخسائر
يصف عبد الله العطار، من سكان المنطقة الغربية لمستشفى كمال عدوان، الوضع بأنه “كارثي بكل المقاييس”، مؤكدًا أن إطلاق النار من الطائرات المسيّرة والدبابات أصبح حدثًا يوميًا، رغم بُعد السكان نحو كيلومتر عن أقرب منطقة عسكرية.
ويقول: “حتى داخل المنطقة الخضراء لم نعد نشعر بالأمان. القصف لا يميّز بين خيمة ومنزل، ولا بين طفل وشيخ، والشهداء يسقطون يوميًا”.
ويتساءل العطار عن دور الوسطاء والمجتمع الدولي في وقف هذه الانتهاكات، مشيرًا إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار لم ينعكس على أرض الواقع، وأن العمليات العسكرية مستمرة منذ توقيعه، في إطار سياسة تهدف – بحسب قوله – إلى تفريغ المناطق الشمالية من سكانها عبر الضغط العسكري والنفسي.
في السياق ذاته، أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع عدد الضحايا خلال الأيام الأخيرة، حيث وصل إلى المستشفيات خلال 48 ساعة 17 شهيدًا، بينهم 13 خلال 24 ساعة فقط، إضافة إلى 32 إصابة. وأشارت إلى أن عددًا من الضحايا ما يزالون تحت الأنقاض أو في الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب استمرار القصف.
ووفق البيانات الرسمية، بلغ إجمالي عدد الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025 نحو 809 شهداء، فيما تجاوز عدد الجرحى 2,267 إصابة. أما منذ بداية الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد ارتفع العدد التراكمي للشهداء إلى أكثر من 72 ألفًا، مقابل ما يزيد على 172 ألف إصابة.
وفي وجود هذه المعطيات، تبدو “المنطقة الخضراء” في بيت لاهيا مجرد تسمية لا تعكس واقعًا فعليًا، حيث يعيش السكان تحت تهديد دائم، دون أي ضمانات حقيقية للحماية. وبين استمرار القصف وخروقات التهدئة، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، يدفعون ثمنًا يوميًا في غياب أي أفق لوقف التصعيد.