لم تكن سها مقاط (30 عامًا) مجرد شابة من ذوي الإعاقة الحركية تعيش في حي الشيخ رضوان شمال قطاع غزة، بل كانت نموذجًا للإرادة الصلبة، تؤمن أن “الإعاقة في العقل لا في الجسد”، كما تردد دائمًا. هكذا صنعت مسيرتها الرياضية، قبل أن تقلب الحرب حياتها رأسًا على عقب، فتنقلها من منصات التتويج إلى خيمة نزوح تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
قبل الحرب، اعتادت سها الوقوف بثبات على منصات الفوز، ترفع الميداليات وتبتسم بثقة. أما اليوم، فتجد نفسها تحاول التكيّف مع واقع قاسٍ، سرق منها ملامح حياتها التي بنتها بسنوات من الكفاح.
بدأت رحلتها الرياضية عام 2015 مع نادي “الفارسات”، حيث واجهت تحديات مضاعفة بسبب إعاقتها، لكنها كانت تقول إنها “تتعب أكثر من غيرها، لكنها تفرح أكثر عند الفوز”. وبفضل هذا الإصرار، حصدت المركز الأول في خمس بطولات سباق، وست مرات في ألعاب القوى، إلى جانب تفوقها في تنس الطاولة مرتين.
ولم تتوقف إنجازاتها عند هذا الحد، إذ حصلت على لقب هدافة الدوري النسوي في غزة عام 2021، في محطة تصفها بأنها لحظة شعرت فيها أن “كل تعبها لم يذهب سدى”. كما أحرزت المركز الثاني في رفع الأثقال، والمركز الأول في الكاراتيه، لتصبح واحدة من أبرز الرياضيات من ذوي الإعاقة في القطاع.
لكن هذا المسار تغيّر جذريًا مع اندلاع الحرب، حيث تحوّلت حياتها من الركض نحو خط النهاية إلى الركض هربًا من القصف. وتستعيد تلك المفارقة بمرارة: “كنا نركض لنفوز… واليوم نركض لننجو”.
وخلال رحلة نزوح قاسية تجاوزت 16 مرة، كانت سها تشعر أن إعاقتها تجعلها الأبطأ دائمًا، فتخشى أن “يسبقها القصف لأنها لا تستطيع الركض مثل الآخرين”.
وفي 23 ديسمبر/كانون الأول 2023، وخلال إحدى محاولات النزوح، أصيبت بقنبلة غاز في عينها. تقول لصحيفة "فلسطين": “شعرت بحرقة شديدة ولم أعد أرى بوضوح، لكني واصلت الركض… لم يكن هناك وقت للتوقف”.
ومع غياب الرعاية الطبية، بقيت في منزلها المحاصر، مكتفية بالماء والمسكنات، تحاول إقناع نفسها بأن حالتها ستتحسن، رغم إدراكها أن عينها “تسوء يومًا بعد يوم”.
وبمرور الوقت، فقدت البصر في عينها، وهو ما شكّل ضربة نفسية قاسية، إذ تؤكد أن الأصعب لم يكن الألم، بل شعورها بأنها “فقدت جزءًا من نفسها”. ومع تدهور حالتها، خضعت لعملية استئصال العين لحماية الأخرى، وهو قرار تصفه بأنه “توقيع على خسارة جديدة”.
ولم يكن العبء نفسيًا فقط، بل ماديًا أيضًا، إذ اضطرت للاستدانة لتغطية تكلفة العملية وتركيب عين صناعية، ما راكم عليها دينًا بنحو 2500 شيقل، قائلة بمرارة: “حتى عيني الجديدة جاءت بالدين”.
ومع تراجع حالتها الجسدية، أصبحت بحاجة إلى كرسي متحرك، لكن الدمار الواسع جعل استخدامه محدودًا، كما تقول: “الكرسي موجود… لكن الطريق غير موجود”. وتزداد معاناتها بوجود شقيقتها التي تعاني الإعاقة ذاتها، إذ تتشاركان كرسيًا واحدًا، ما يضطرهما أحيانًا لتأجيل احتياجات إحداهما لصالح الأخرى.
تعيش سها اليوم في خيمة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وتشعر أن ذوي الإعاقة هم الأكثر تهميشًا في هذه الحرب، مضيفة: “لا أحد يضعنا ضمن الأولويات، وكثيرًا ما لا تصلنا المساعدات، أو لا نجد أسماءنا ضمن القوائم”.
هذا التحول الحاد جعلها تشعر بأنها لم تعد الشخص ذاته، لكنها تؤكد أن بداخلها جزءًا “ما زال يرفض الاستسلام ويتمسك بالأمل”.
ورغم ما فقدته من صحة واستقرار وإنجازات، لا تزال تحلم بحياة أقل قسوة، وتقول إن أقصى ما تتمناه هو أن “تعيش دون خوف، وربما تعود يومًا إلى التدريب، حتى لو لم يكن كما في السابق”.
وتختصر سها رحلتها بعبارة تلخص صمودها: “الحرب أخذت مني الكثير… لكنها لم تستطع أن تأخذ إرادتي”.
وبين ماضٍ كانت فيه بطلة تعانق الكؤوس، وحاضرٍ تعيش فيه على هامش الحياة، تقف سها مقاط شاهدًا حيًا على قسوة التحولات التي فرضتها الحرب، خاصة على ذوي الإعاقة، الذين لم يخسروا فقط أدوات حياتهم، بل خسروا أيضًا المساحات التي كانوا يثبتون فيها قدرتهم على التحدي والنجاح.