قائمة الموقع

"زواجٌ مشؤوم"

2026-04-26T16:45:00+03:00
آثار دماء ولاء على فراش الزوجية بعدما قتلها انهيار مفاجئ لجدار اسمنتي
فلسطين أون لاين

لم يكن أحمد أبو سعادة، البالغ من العمر عشرين عامًا، يسمع هدير البحر، لكنه كان يراه أمامه، ويشعر به. كان يقف عند حافة الشاطئ الغربي لمدينة غزة، يُثبِّت أوتاد خيمة صغيرة مهترئة، في حين تتكسر الأمواج أمامه بعنف، وترتطم الرياح الباردة بجسده النحيل كصفعات متتالية. بين أنقاض الدمار في مكان لا يعرف الدفء لم يكن في المشهد ما يشبه ليلة زفاف ميمون، سوى يدٍ صغيرة دافئة كانت تُمسك بيده، وتضغط عليها، كأنها تقول: "أنا هنا.. لا تخف".

أحمد، الشاب الأصم الأبكم، الذي دمرت الحرب الإسرائيلية منزله في حي التفاح، شرقي مدينة غزة، لم يكن يملك شيئًا ليبدأ حياته الزوجية. كل ما كان لديه خيمة من النايلون، وقلب مثقل بالخسارات، وحلم بسيط اسمه ولاء.

ولاء جحا، فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، لا تعاني أي إعاقة، اختارت أحمد على الرغم من كل شيء. تعلمت لغة الإشارة لأجله، لا من كتب أو دورات، بل من عينيه ونظراته. كانت تفهمه حين يبتسم بخجل، وحين يشيح بوجهه غضبًا، وحين تتحرك يداه بسرعة وهو يحاول أن يشرح لها خوفًا لا يستطيع نطقه.

امتدت خطوبتهما منذ عَقْدِ قرانهما في السابع من أغسطس/ آب 2025، قرابة خمسة أشهر، في زمنٍ يُقاس فيه العمر بعدد الغارات وليس بالأيام. وحين قررا الزواج انتظرا نهاية حرب الإبادة التي اندلعت يوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ووضعت أوزارها بعد قرابة سنتيْن، لم تعطِ العروسين مواعيد، وأبقت حلمهما بالزفاف مؤجلاً.

مساء الخامس والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول 2025، احتفلا بزفافهما قرب فندق مخصص لحفلات الأعراس يطل على شاطئ البحر. كان يبدو شامخًا من الخارج، لكنه في حقيقة الأمر مكسور من الداخل، وتملأ التصدعات جدرانه الإسمنتية، لا لأن البناء قديم ومتهالك، بل بسبب القصف المكثف الذي نفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي، ودمر أجزاءً منه.

لم يتمكن العروسان من حجز ليلة في إحدى قاعاته الناجية من الدمار، فكل شيء صار باهظ الثمن، حتى الفرح. اكتفيا بخيمة صغيرة لا تقيهما لسعات البرد، وضعاها بمحاذاة جدار الفندق المطل على الشاطئ، ظنًا منهما أنه سيحميهما من الرياح الشديدة التي رافقت عاصفة شتوية ضربت غزة بقوة.

في ليلة الزفاف جلست ولاء على فراش بسيط، غطَّته بملاءة بيضاء محاوِلةً إخفاء بقع الرطوبة. كان أحمد قُبالتها يبتسم، ويُحرك يديه بلغةٍ لا يسمعها أحد سواها.

رفع أحمد يده اليمنى، وأشار إلى قلبه، ثم إلى الخيمة، ثم إلى السماء، وسأل بعينيه: "هل أنتِ خائفة؟".

ابتسمت ولاء وأمسكت يديه، حركتهما ببطء، ثم أشارت إلى صدرها وقالت بلغة الإشارة: "ما دمنا معًا، فلا برد ولا حرب".

اقترب أحمد أكثر، وأشار إلى البحر، ثم إلى الرياح، ثم وضع يده فوق يدها: "سأحميكِ".

ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، ووضعت كفها على خده، وأشارت: "وأنا أفهمك، حتى دون صوت".

كانا سعيدين، يُغَشّي سعادتَهما الوجع، كمن يسرق لحظة دفء من فم العاصفة.

مرّت ثمانٍ وأربعون ساعة فقط على زفافهما. ثمانٍ وأربعون ساعة من أحلام صغيرة، من شاي ساخن أعدته ولاء على موقد بدائي، من ترتيب الخيمة، وأمل كبير بطفلٍ قادم، وانتظرا يومًا جديدًا سيبدأ حين تهدأ العاصفة.

لكنها لم تهدأ في تلك الليلة.

كان الفجر باردًا جدًّا، فقد اشتدت العاصفة الشتوية، في حين كانت الرياح تعوي كوحشٍ جائِع، والمطر ينهمر ويجلد الخيمة بغضب. لم يكن أحمد يسمع شيئًا، لكنه شعر باهتزاز الخيمة، حاول أن يضم ولاء، وأن يغطيها بجسده، ويقول لها بلغة الإشارة: "اصبري".

إلا أن القدر لم يمنحهما وقتًا.

عند الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل حدث ما لم يكن متوقعًا. انهار جدار إسمنتي مرتفع تابع للفندق، وسقط بثقله فوق الخيمة. تحولت الخيمة إلى كفن، والفراش إلى شاهد على الفاجعة. سقطت القطع الإسمنتية فوق الجزء العلوي من جسد ولاء، ففارقت الحياة على الفور.. دون صراخ، ودون وداع.

أما أحمد فقد نجا بأعجوبة، فزوجته الراحلة لم تكن تبعد عنه سوى بضعة سنتيمترات لحظة الانهيار. كل ما رآه كان الغبار، ووجه ولاء الغارق بالدماء، كأنها أصيبت بصـاروخ شديد الانفجار. حاول أن يوقظها، حرّك يديه بعصبية وأشار بهما وهو يضرب رأسه بقوة، ناداها مرات عديدة، لكن لغته لا تعيد الموتى.

منذ ذلك اليوم يكمل أحمد حياته وحيدًا.

تحت سقف الخيمة الممزقة التي لا تُشبه البيوت يقضي أحمد معظم وقته على فراش الزوجية الغارق بدماء عروسه. يجلس طويلًا، يحدق في دماء ولاء التي غادرت بلا إذن سابق عشَّ الزوجية الجديد، بعدما ملأت حياةَ حبيبها حبًا وطمأنينة بالرغم من أهوال الحرب.

في الخيمة نفسها، ما زال أحمد يحتفظ بملابس عروسه على الرغم من رحيلها، حتى الملاءة الغارقة بالدماء ينام عليها ويشم رائحتها. تحيط به أكياس وحقائب ممتلئة بأدوات التجميل التي اشترتها ولاء حديثًا مثل أي عروس، لكنها لم تحظَ مثلهن بفرصة لاستخدامها بعدما اختطفها الموت فجأة.

في الجِوار تحاول الرياح الشديدة اقتلاع ثلاث خيام أخرى ثبتها والد أحمد وأشقاؤه الستة، ينامون تحت أسقفها منذ أن دمرت الحرب منازلهم. نجا هؤلاء جميعًا وزوجاتهم وأبناؤهم من الانهيار، لكن ذاكرتهم مثقلة بحادثة فقد ولاء. يجلسون جميعًا أمام الخيمة التي يتردد عليها الصحفيون، يروون الحكاية في ظروف معيشية قاسية عن زفاف ميمون تحول إلى زواج مشؤوم.

أما أحمد فلا يعرف معنى "مشؤوم" ولا "ميمون"، يعرف فقط أن يده صارت باردة منذ أن رحلت يد ولاء، وأن الخيمة صارت أوسع مما يظن، وأن الصمت الذي عاشه طوال عمره صار اليوم أثقل من أي صوت.

اختار أحمد البقاء في الخيمة، على الرغم من زئير البحر الذي لا يتوقف، واقتلاع الرياح الشديدة كل ما في طريقها، لكنه يجلس هناك في المكان ذاته، كأنه ينتظر أن تفهم ولاء إشارته الأخيرة: "لم أستطع حمايتك.. لكني أحببتك".

في غزة تتكرر مآسي الحرب وتداعياتها، فمن لم يَمُت من القصف الإسرائيلي فهو مُعرض للموت من أبنية ضعيفة يمكن أن تنهار في أي لحظة. أما قصة أحمد وولاء فهي واحدة من حكايات مؤملة كثيرة، لكن وجعها مختلف؛ لأنها لم تُروَ بالصوت، بل بلغة صمتٍ لا يسمعها أحد.

اخبار ذات صلة