لم تحمل الهدنة للشاب معاذ الكحلوت أي معنى للنجاة، بل سبقها إليه رصاصٌ غادر غيّر مسار حياته بالكامل. في لحظة واحدة تحوّل من شابٍ معيلٍ لأسرته إلى طريح فراش، بعد إصابة مروّعة مزّقت عنقه وحرمتْه أبسط مقومات الحياة.
في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، اخترقت رصاصة إسرائيلية متفجّرة رقبة الكحلوت (28 عامًا) واستقرّت في فمه. تروي زوجته إيمان لصحيفة "فلسطين": "نُقل زوجي إلى المستشفى على أنه شهيد، فقد كانت حالته بالغة الخطورة، لكن تبين للأطباء أنه ما زال على قيد الحياة".
وتضيف: "منذ تلك اللحظة، وهو يعاني وضعًا صحيًا شديد القسوة؛ إذ قطعت الرصاصة لسانه، وكسرت فكيه، ودمّرت أسنانه. حتى اليوم لا يستطيع تناول الطعام، ويعيش على الشوربات فقط".
مكث الكحلوت أربعة أشهر في المستشفى، معظمها في قسم العناية المركزة، وخضع لعدة عمليات جراحية. وتوضح زوجته: "كلما وصل وفد طبي من الخارج، كان الأطباء يستدعونه لإجراء تقييم جديد، لكن جميعهم أجمعوا على أن زراعة عظام الفكّين غير ممكنة داخل غزة، وأنها تحتاج إلى علاج متقدم في الخارج".
ولا تتوقف معاناته عند هذا الحد؛ إذ أُعيد تثبيت لسانه داخل فمه بطريقة غير سليمة، ما جعله أقرب إلى كتلة تعيق النطق بشكل كبير. وتقول إيمان: "هو بحاجة إلى جهد كبير ليتكلم، وهو أمر يفوق طاقته، ومع تكرار العمليات دون تحسّن، تدهورت حالته النفسية بشكل واضح".
وعلى وقع هذه المعاناة الصحية، تتفاقم الأزمة المعيشية للأسرة. تضيف زوجته: "رزقنا بمولودة قبل شهرين، ولم أستطع شراء ملابس لها أو حليب أو حفاضات. لدينا طفلان أيضًا، أحدهما في الخامسة والآخر في الثانية، ولا يوجد من يعيلنا، فزوجي كان المعيل الوحيد للأسرة".
وتشير إلى أن معاذ لم يكن يعيل أسرته الصغيرة فقط، بل كان يتحمّل أيضًا مسؤولية والديه، إضافة إلى أبناء شقيقه الشهيد. أما شقيقه الآخر، فيعاني وضعًا صحيًا صعبًا بعد تحرره من سجون الاحتلال خلال الحرب.
وتتابع: "لا يجد معاذ من يرافقه إلى المستشفى سوى والده المسنّ، وهو مريض بالكلى. وفي إحدى المرات، تعرّض لوعكة صحية أثناء مرافقته، فاضطر الأطباء لرعايتهما معًا، في ظل عجزهما عن الحركة".
وتلفت إلى أن عائلة زوجها عادت إلى شمال قطاع غزة، لتقيم في خيام قرب منزلها المدمّر، بينما بقيت هي مع أطفالها في أحد مخيمات خان يونس، بسبب تلقي زوجها العلاج في مستشفى ناصر. وتقول: "أبقى هنا مع أطفالي داخل الخيمة، عاجزة عن توفير احتياجاتهم، وفي الوقت ذاته لا أستطيع تركهم لمرافقة زوجي".
وتوضح أن شعور العجز ينهش معاذ أكثر من ألم الإصابة نفسها، مضيفة: "زوجي يفضّل الموت على أن يبقى عاجزًا عن إعالة أطفاله. يبكي كطفل صغير كلما رآهم".
ولا تطلب إيمان سوى فرصة علاج حقيقية لزوجها، قائلة: "نأمل أن تتدخل منظمة الصحة العالمية لإجلائه للعلاج في الخارج، لعلّه يستعيد عافيته ويعود قادرًا على إعالة أطفاله وأسرته".