في زاوية موحشة من مدينة غزة، حيث يمتزج صوت الموج بأصداء القذائف الثقيلة، تقف الحاجة نائلة رشيد "أم محمد" شاهدة على وجعٍ تعجز الكلمات عن وصفه وتعجز التقارير عن الإحاطة به. رحل "السند"، وبقيت هي تواجه ذكريات 45 يوماً من حصارٍ مرير، عاشته بين جراحها النازفة وجثمان زوجها الذي نكّل به الاحتلال، في واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
تستعيد أم محمد (60 عاماً)، بملامح يكسوها الشحوب، تفاصيل حياتها التي انقلبت في لحظة. تقول: "تزوجت أبو محمد منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولم يُكتب لنا أن نُرزق بالأبناء، لكن حمدي لم يكن مجرد زوج، بل كان العالم بأكمله بالنسبة لي".
وتروي لصحيفة "فلسطين" كيف كان مثالاً للزوج المخلص، حريصاً على مشاعرها إلى أبعد حد، لم يشعرها يوماً بنقص أو وحدة، بل كان لها الأب والابن والصديق.
تضيف والدموع تسبق كلماتها: "كان يملأ البيت حياة، يهتم بأدق تفاصيل يومي، ويداريني كما يداري الأب ابنته الوحيدة. كنا نخطط لما تبقى من عمرنا في شقتنا المطلة على البحر، لكن الاحتلال قرر أن يكتب نهاية مغموسة بالدم لهذه الحكاية".
لحظة الفقد
في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، ومع اشتداد العدوان واقتراب دبابات الاحتلال من منطقة شارع الرشيد غرب مدينة غزة، قرر الزوجان النزوح. لم يكن الحاج حمدي بحري رشيد (62 عاماً) يعلم أن عتبة العمارة ستكون محطته الأخيرة.
بينما كانا يهمّان بالخروج، باغتتهما قذيفة مباشرة أطلقتها بوارج الاحتلال، فسقط أبو محمد شهيداً على الفور، بعدما فصلت القذيفة رأسه عن جسده بشكل شبه كامل أمام عيني زوجته.
ولم يتوقف المشهد عند ذلك، إذ تقدمت جرافة عسكرية ودهست جسده، بينما كانت أم محمد تصرخ خلف نوافذ العمارة، عاجزة عن إنقاذه.
في تلك اللحظة، لم تكن شاهدة فحسب، بل أصيبت أيضاً بشظايا اخترقت جسدها، فأصابت ظهرها وصدرها وأطرافها بجروح بليغة.
45 يوماً من حصار الجسد والروح
لم تنتهِ المأساة عند القتل والتمثيل بالجثمان، بل بدأت رحلة عذاب قاسية. تحت وابل الرصاص، زحفت أم محمد إلى شقتها لتبدأ حصاراً استمر 45 يوماً.
خلال تلك الفترة، ظل جثمان زوجها ملقى أمام باب العمارة، تحت أنظارها من خلف النوافذ المحطمة. تقول بصوت مثقل: "كنت أحاول الخروج مراراً، أزحف رغم ألمي لأدفنه، لكن قناصة الاحتلال كانوا يمنعونني. كان الوجع الأكبر أن أراه يتحلل يوماً بعد يوم أمام عيني".
وتتابع: "كانوا يعلمون أنني امرأة مصابة ووحيدة، ومع ذلك تركوني أموت كل يوم ألف مرة، وأنا أرى رفيق عمري تأكله الشمس وتنهشه الآليات".
في ظل انعدام الطعام، عاشت أم محمد على ثلاث زجاجات ماء فقط. كانت تلك الكمية القليلة كل ما تملكه للشرب والوضوء وغسل جراحها.
تقول: "كنت أقسم الماء كأنه عمر كامل. أتوضأ لأصلي، فلم يكن لي أنيس سوى الله في تلك الوحدة القاتلة".
قضت أيامها بين الدعاء والصبر، فيما كانت لياليها مثقلة بالخوف والانتظار.
"خمسة وأربعون يوماً لم يغمض لي جفن، فكيف ينام من يرى قطعة من قلبه ملقاة في العراء؟".
الوداع الأخير
بعد انسحاب آليات الاحتلال، لم تنتظر أم محمد فرق الإسعاف. رغم جراحها، جمعت ما تبقى من جثمان زوجها ودفنته بيديها قرب المنزل، منهية رحلة انتظار قاسية، ومكرّمة رفيق عمرها بما استطاعت.
خرجت أم محمد من الحصار، لكنها لم تعد كما كانت. تعاني اليوم من آلام جسدية مزمنة وصدمات نفسية عميقة.
وتختم حديثها قائلة: "ذهب السند، وذهبت الروح، وبقيت وحدي أصارع المرض والفقد. أطالب العالم بمحاسبة الاحتلال على هذه الجريمة. قتلوه، ودهسوه، وتركوه يتحلل أمامي، وحاصروني مع جراحي بلا رحمة. هذه الجريمة يجب أن تُوثق ليعرف العالم حجم الوحشية التي نعيشها".