لم تعد الحرب في غزة تُقاس بعدد القتلى والجرحى فقط، بل بما تخلّفه من آثار صامتة داخل الأرحام، إذ تفقد نساء كثيرات أجنّتهن قبل أن يروا النور؛ لا بفعل القصف وحده، بل تحت وطأة حياة قاسية داخل الخيام، عنوانها الإرهاق والجوع والتنقّل المستمر بحثًا عن الأمان.
حملٌ ثقيل فوق تعبٍ أثقل
في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، تجلس هناء أبو نحل (29 عامًا)، شاردةً بنظرها، تستعيد تفاصيل الأيام التي سبقت فقدان جنينها في شهره الرابع. لم يكن هناك إنذار واضح؛ فقط تعب يتراكم، وجسد ينهار ببطء.
تقول أبو نحل لـ "فلسطين أون لاين": "لم أسقط، ولم أتعرض لشيء مفاجئ. كنت فقط أعيش حياة لا تشبه حياة الحوامل. كنت أركض طوال اليوم بين الماء والنار".
منذ نزوحها من حي الشجاعية، تحوّلت حياتها إلى سلسلة من الأعمال الشاقة. تستيقظ قبل شروق الشمس لتحجز دورًا في طابور المياه، تمشي مسافات طويلة وهي تحمل الدلاء، ثم تعود لتشعل الحطب لإعداد الطعام، وسط دخان كثيف يخنق أنفاسها.
"كنت أشعر أن صدري يضيق من الدخان، ورأسي يدور. أضع يدي على بطني وأقول: تحمّل قليلًا، سننجو"، تقول، قبل أن تضيف بصوت منخفض: "لكنه لم يحتمل".
في يوم حار، وبعد ساعات من الوقوف تحت الشمس انتظارًا للماء، عادت هناء إلى خيمتها وهي تعاني من آلام حادة في أسفل بطنها. حاولت تجاهل الألم، كما اعتادت تجاهل التعب، لكن النزيف كان أقوى من قدرتها على الصمت.
"عندما رأيت الدم، شعرت أن كل شيء انتهى. لم أصرخ، فقط جلست على الأرض، وكأن جسدي توقّف"، تروي.
نُقلت لاحقًا إلى نقطة طبية بدائية، حيث أبلغها الطبيب بأن الجنين فارق الحياة نتيجة الإجهاد الشديد.
"قال لي: جسدك لم يعد يحتمل. هذا يحدث كثيرًا هذه الأيام"، تضيف.
نزوح لا ينتهي
في خيمة قريبة، تعيش سمية الدحدوح (31 عامًا)، التي فقدت جنينها في الشهر الخامس، بعد رحلة نزوح متكررة بين شمال القطاع ووسطه.
تقول الدحدوح لـ "فلسطين أون لاين": "تنقّلنا أربع مرات خلال أشهر قليلة. في كل مرة كنا نحمل ما تبقّى من حياتنا ونسير".
تصف كيف كانت تضطر للسير مسافات طويلة وهي حامل، تحت الشمس، دون ماء كافٍ أو طعام مناسب.
"كنت أشعر أن بطني يشدّني إلى الأرض من التعب، لكن لم يكن لدينا خيار؛ إما أن نتحرك أو نبقى تحت القصف"، تضيف.
في إحدى محطات النزوح، اضطرت للنوم على الأرض لساعات طويلة دون غطاء كافٍ. في اليوم التالي، بدأت تشعر بتقلّصات قوية.
"قلت لنفسي إنها ستزول، لكن الألم كان يزداد، ثم بدأ النزيف. هناك، في خيمة بلا باب ولا جدار، فقدت طفلي"، تقول.
لم تعد الأعمال اليومية في الخيام تفاصيل عادية، بل تحوّلت إلى عوامل خطر حقيقية تهدّد الحمل.
أسباب خفية للموت
آية زقوت (26 عامًا) فقدت جنينها في شهره الثالث، بعد أسابيع من العمل المتواصل داخل مركز إيواء مكتظ.
تقول لـ "فلسطين أون لاين": "كنت أقف ساعات لأحصل على قليل من الماء، ثم أحمله وأصعد به إلى الخيمة، وبعدها أبدأ الطهي على الحطب. كل يوم الدوامة نفسها".
تشير إلى أن الدخان المتصاعد من الحطب كان يسبب لها اختناقًا مستمرًا، إضافة إلى الإجهاد الجسدي.
"كنت أسعل كثيرًا وأشعر بدوار، لكن من سيقوم بالأعمال إن لم أفعل أنا؟"، تضيف.
في أحد الأيام، انهارت داخل الخيمة بعد شعورها بآلام مفاجئة.
"عندما أفقت، كنت أنزف. فهمت أن الجنين رحل. لم يكن هناك وقت للحزن، فقط صمت ثقيل"، تقول.
داخل الخيام، لا خصوصية، ولا راحة، ولا رعاية صحية حقيقية. تعيش الحوامل في ظروف قاسية، حيث يتحوّل الحمل من تجربة إنسانية طبيعية إلى عبء إضافي في حياة مليئة بالمخاطر.
ليست حالات فردية
في هذا السياق، يحذّر مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، من أن ما يجري لم يعد مجرد حالات فردية، بل ظاهرة متسارعة ترتبط مباشرة بظروف النزوح القاسية.
مدير عام وزارة الصحة في غزة، د. منير البرش
ويقول لـ"فلسطين أون لاين": "نحن أمام واقع خطير، حيث تُسهم حياة الخيام بكل تفاصيلها في إنهاك النساء الحوامل. نقص المياه، حمل الأوزان الثقيلة، الطهي على الحطب، والتنقّل المستمر، كلها عوامل تضغط على جسد المرأة وتدفعه نحو فقدان الحمل".
ويشير إلى أن الطواقم الطبية تلاحظ تزايدًا واضحًا في حالات الإجهاض المرتبطة بالإجهاد البدني الحاد، إلى جانب تراجع كبير في معدلات الولادة.
"ما نشهده اليوم ليس طبيعيًا. الأرقام تعكس تدهورًا حادًا في صحة النساء الحوامل، نتيجة بيئة معيشية قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة"، يقول.
اقرأ أيضًا: صحيفة بريطانية تكشفُ بالأرقام ارتفاع وفيات الأمهات والمواليد الجدد في غزَّة
ويضيف: "الجنين يفقد فرصته في الحياة ليس فقط بسبب المرض، بل لأن أمه تعيش في ظروف تفوق قدرتها على الاحتمال. الجسد حين يُستنزف يوميًا، يصل إلى نقطة لا يستطيع فيها الاستمرار".
كما يؤكد أن غياب الرعاية الصحية المنتظمة، إلى جانب سوء التغذية، يزيدان من خطورة الوضع، لكن العامل الأكثر حضورًا، وفق تعبيره، هو "الإرهاق المزمن الناتج عن حياة النزوح".
"المرأة الحامل تحتاج إلى الراحة، إلى بيئة آمنة، إلى غذاء مناسب. ما يحدث في الخيام هو العكس تمامًا، لذلك نرى هذه الزيادة المؤلمة في فقدان الأجنّة"، يوضح.