في مشهدٍ يختصر صمود غزة، تمضي الحاجة ليلى محمد داود "أم إياد"، التي قاربت السبعين، بخطواتٍ متعبة وجسدٍ أنهكته الحرب، لكن بقلبٍ نابض بالعزيمة، لتواصل رسالتها في تعليم القرآن داخل مراكز الإيواء، فقد تحوّلت خيمتها إلى منارة أمل وسط الركام.
على الرغم من أوجاع النزوح وقسوة الطريق، لا تتوقف "أم إياد" عن التوجه يوميًا من منزلها المتضرر إلى مركز الإيواء في قلب مدينة غزة، حاملةً رسالة كرّست لها أكثر من 15 عامًا من حياتها، غير آبهة بعمرها أو ظروفها، وهي أم لستة أبناء وابنة، وزوجة شهيد.
داخل خيمة كبيرة من القماش المشمع، تجلس "أم إياد" وسط أكثر من 200 طالبة من النازحات وسكان المنطقة، في حلقة تحفيظ تحوّلت إلى ملاذٍ آمن من أهوال القصف. هناك، يغيب صوت الانفجارات، ويعلو صدى الآيات، فيما تردد الفتيات خلفها: "إن مع العسر يسرا"، فتغمر المكان سكينة تفتقدها الشوارع في الخارج.
ليست "أم إياد" مجرد معلمة قرآن، بل تحمل رصيدًا علميًا راسخًا، إذ تحفظ قراءة عاصم بسند متصل إلى الإمام ابن الجزري، وتؤمن أن رسالتها تتجاوز الحفظ إلى بناء الإنسان.
تقول لصحيفة "فلسطين": "القرآن ليس نصوصًا نحفظها لنيل الإجازات، بل هو سكن وأمان في زمن الخوف، ومنهج حياة في زمن التيه. تدريس الفتيات هنا، وسط الركام، يحمل بركة تفوق سنوات طويلة من التعليم في المساجد".
ورغم بُعد المسافة وصعوبة التنقل، تصر على الحضور يوميًا سيرًا على الأقدام: "أحيانًا أشعر بالتعب، لكن نظرات الطالبات المتعطشة للنور تُذهب كل إرهاق. القرآن هو عيادتنا النفسية ومدرستنا البديلة بعد أن دُمّر كل شيء".
وفي لفتة إنسانية، تشير بامتنان إلى دعم زوجها الحاج "أبو إياد" (72 عامًا)، الذي يشجعها على الاستمرار رغم قسوة الظروف. تقول: "هو أكبر داعم لي، يرى في هذا العمل ذخرًا لنا، ولا يتذمر من خروجي اليومي".
رغم تدمير معظم المساجد والمدارس في غزة، تشهد حلقتها إقبالًا لافتًا، حيث أتمّت بعض الطالبات حفظ القرآن كاملًا تحت القصف، فيما قطعت أخريات شوطًا كبيرًا في الحفظ خلال وقت قياسي.
تروي بدموع مكبوتة: "حين تأتي طالبة باكية من شدة الخوف أو لفقدان قريب، لا أسألها عما حفظت، بل عن قلبها… أضمها وأقول: اقرئي آية الكرسي واطمئني، فالله معنا".
لا ينتهي عطاؤها بانتهاء الدروس، إذ تعود إلى منزلها المتضرر لتفتح أبوابه لحلقات ذكر جديدة، محوّلةً الركام إلى مساحة نور.
وتعبّر الطفلة ريماس البنا (11 عامًا)، إحدى طالباتها، عن هذا الأثر بقولها: "كنا نخاف كثيرًا، لكن حين نأتي إلى الحاجة أم إياد ونقرأ القرآن، نشعر بالقوة… هي مثل جدتنا التي تزرع فينا الأمل".
ورغم شح الإمكانيات، تواصل "أم إياد" عملها، معتمدة على مبادرات بسيطة لتقديم مكافآت رمزية، وفي نهاية كل يوم توزّع الحلوى على طالباتها، فيغادرن الخيمة بابتسامات تتحدى الواقع.
تختم "أم إياد" حديثها بنظرةٍ نحو المستقبل: "أرى في هؤلاء الفتيات مستقبل غزة… هن من سيحملن القرآن والذاكرة والوعد. سنواصل ترميم أرواحهن، ليعلم العالم أن جيل القرآن لا يُقهر، وأن مع العسر يسرا ليست آية فحسب، بل نهج حياة".