منذ السابع عشر من يناير/كانون الثاني 2024، ظل مصير الشاب محمد أبو معوض مجهولًا، بعد أن اختفى في طريق عودته إلى شمال قطاع غزة، تاركًا خلفه عائلة معلّقة بين الأمل والانتظار، وأسئلة بلا إجابات.
يستهل شقيقه الأكبر، ناهض أبو معوض، روايته قائلاً: "أنا أخوه الكبير… وأنا من ربيته"، قبل أن يستعيد تفاصيل الأيام الأولى للحرب، حين اضطرت العائلة، كغيرها من عائلات شمال القطاع، إلى النزوح من مخيم جباليا نحو المنطقة الوسطى.
ويضيف لصحيفة "فلسطين": "كانت ظروف النزوح قاسية، ولم يكن أحد مرتاحًا".
بداية الحكاية
في تلك الفترة، كان محمد (31 عامًا) يمر بحالة نفسية صعبة، تفاقمت بعد وفاة والده قبل اختفائه بأيام. يقول ناهض: "تعب نفسيًا كثيرًا، كان يشعر بضيق شديد، ولم يحتمل حياة النزوح".
رغم محاولات منعه، أصر محمد على العودة إلى الشمال.
يقول ناهض: "كنت أرفض بشدة، لكنه أصرّ. وفي صباح 17 يناير، استيقظت ولم أجده… كان قد غادر دون أن يخبر أحدًا".
لم يودّع زوجته ولا أطفاله الثلاثة، ولم يحدد وجهته، سوى رغبته في العودة إلى منزله. ويؤكد شقيقه: "محمد إنسان بسيط، يعمل حلاقًا، ولا ينتمي لأي جهة سياسية أو عسكرية. كل همه زوجته وأطفاله".
على طريق البحر
سلك محمد الطريق الساحلي، حيث التقى مجموعة من الشبان وواصلوا المسير نحو الشمال.
وعند منطقة "صالة البيدر"، تعرضوا لإطلاق نار مباشر من دورية عسكرية.
يروي ناهض، نقلًا عن أحد الناجين: "كانوا تسعة شبان، نجا منهم اثنان فقط. قال لي: عندما بدأ إطلاق النار، ارتمينا أرضًا، لكن محمد ظل واقفًا، رافعًا يديه، خائفًا".
ويضيف: "رأى شابين أو ثلاثة ملقين على الأرض، بين مصابين وشهداء، بينما كان محمد واقفًا والرصاص يُطلق حولهم من الآليات العسكرية على الطريق الساحلي".
ومع اقتراب دبابة من المكان، تفرّق من تبقى: "قال لي: عندما هربت، نظرت خلفي، فرأيت محمد ما زال واقفًا، رافعًا يديه، ومعه شابان آخران، بينما كانت ثلاث جثث على الأرض".
ومنذ تلك اللحظة، انقطع أثره.
البحث بين الجثامين
بدأ ناهض رحلة بحث مضنية استمرت لأشهر: "كنت أتنقل يوميًا بين مستشفى الأقصى ومستشفى العودة لعشرة أيام متواصلة، ثم واصلت البحث لشهور".
ويضيف: "كنت أفتح أكياس الجثامين بيدي، رأيت جثثًا متحللة وأخرى نهشتها الحيوانات، لكنني لم أجد محمد".
ويتابع: "لم أكن أخاف… هذا أخي، حتى لو كان جسده ممزقًا، كنت أريد التعرف عليه".
بعد نحو 19 يومًا، تلقى اتصالًا عن جثمان يحمل اسم محمد، لكنه لم يكن شقيقه.
في المقابل، عُثر على بطاقة هويته في نفس المنطقة: "كانت ملقاة على الطريق الساحلي بحالة جيدة، دون آثار دماء، وهذا زاد حيرتنا".
خيط أمل وشكوك
لاحقًا، بدأت ترد معلومات غير مؤكدة عن احتمال اعتقاله. يقول ناهض: "كنا نسمع من أسرى محررين أن اسمه يُنادى داخل السجون".
ويضيف: "أحدهم قال إنه كان في سجن النقب، ويعمل حلاقًا للأسرى مجانًا".
وتأتي شهادة أسير آخر لتزيد الغموض: "قال إنه رآه مصابًا في كتفه وقدميه، داخل غرفة طبية، مكبلًا، وبقي في غيبوبة لأكثر من 40 يومًا".
ورغم هذه الروايات، لم يُؤكد أي منها رسميًا، رغم تواصل العائلة مع مؤسسات حقوقية ومحامين وجهات داخل إسرائيل، وفق ناهض: "الجميع قالوا إنه لا توجد معلومات مؤكدة".
يصف ناهض علاقته بشقيقه: "محمد ليس فقط أخي… أنا من ربيته. عندما تزوجت، كان عمره ثلاث سنوات، وكان مثل ابني".
ويضيف: "هو أصغر إخوتي، وجاء بعد سنوات طويلة من حرمان والديّ من الإنجاب، لذلك كان غاليًا علينا جميعًا".
أثر الفقد
لم يتوقف الألم عند حدود الغياب، بل انعكس على حياته بالكامل: "فقدت والدي، ثم اختفى أخي، وبقيت وحدي. فقدت أكثر من 30 كيلوغرامًا من وزني بسبب الضغط النفسي".
أما أطفال محمد، فلا يزالون ينتظرون: "في كل مناسبة، في رمضان وفي العيد، يبكون ويتذكرون والدهم".
رغم مرور الوقت، يبقى الأمل حاضرًا: "نعيش بين الأمل واليأس، نسمع خبرًا فنفرح، ثم يتبين أنه غير صحيح".
ويختم ناهض: "لن نفقد الأمل… ربما يكون أسيرًا، وربما يعود يومًا".
تبقى قصة محمد أبو معوض واحدة من عشرات القصص التي لم تُكتب نهايتها بعد، حيث يظل مصير أصحابها معلقًا بين ذاكرة الشهود وصمت الحقيقة.