قائمة الموقع

زوجة الدكتور عدنان البرش: سيرة طبيبٍ لم يغادر مرضاه وإرثٌ إنساني يتجاوز الغياب

2026-04-24T08:44:00+03:00
الطبيب الشهيد عدنان البرش
فلسطين أون لاين

بعد عامين على استشهاد الدكتور عدنان البرش، أخصائي جراحة العظام، لا تبدو خسارته مقتصرة على فقدان طبيبٍ بارع، بل تمتد لتطال نموذجًا إنسانيًا نادرًا جسّد معاني الانتماء والتضحية في أحلك الظروف.

رفض البرش مغادرة مرضاه والجرحى الذين حاصرتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل مستشفيات شمال قطاع غزة، وظلّ على رأس عمله في مستشفى الشفاء بالرغم من القصف وشح الإمكانات. لاحقًا، اعتقلته قوات الاحتلال من مستشفى العودة في بيت لاهيا في أثناء تأديته واجبه، قبل أن يُستشهد داخل سجن "عوفر" عقب رحلة قاسية من التحقيق والتعذيب.

في الذكرى الثانية لاستشهاده، تروي زوجته ياسمين حمادة لصحيفة "فلسطين" ملامح من سيرته، وحكاية الفقد، والإرث الذي تركه لعائلته ومحيطه.

رسالة تتجاوز المهنة

تقول حمادة إن زوجها "ترك إرثًا لا يُقدَّر بثمن، يتجاوز المال والممتلكات، ويتمثل في القيم التي عاش بها: الإخلاص، وأداء الرسالة، وحب الوطن، والتفاني في خدمة الناس"، مضيفةً: "كان يؤمن أن الطب ليس مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية ووطنية".

وتشير إلى أنه خلّف لأطفاله (يزن، يامن، تميم، إيلين، راكان وكنان) نموذجًا يُحتذى: "أب يعمل ليلًا ونهارًا في مستشفى الشفاء تحت القصف، في ظل انعدام الكهرباء وشح الإمكانات، ويصرّ على البقاء إلى جانب مرضاه". وتتابع: "كان يقول دائمًا: الإنسان يُقاس بما يقدّمه لوطنه ولغيره. اليوم ينظر إليه أبناؤه كبطل، ويحاولون حمل جزء من مسؤوليته، وهذا أعظم ما تركه لهم".

وعلى الصعيد الشخصي، تضيف: "ترك لي ذكرياتٍ عامرة بالحب والتفاني، ويقينًا بأن ما فعله كان واجبًا. كان يدرك خطورة بقائه، لكنه كان يردد: أنا طبيب، وأهلي ومرضاي هنا".

رحلة فقد قاسية

تصف حمادة المرحلة التي تلت اعتقاله بأنها من الأصعب في حياتها: "عشنا ظروفًا قاسية من نزوح وفقدان للمنزل، ونقص في الغذاء والمياه، وانقطاع للكهرباء. لم يفارقنا القلق على مصيره، حتى وصلنا خبر استشهاده تحت التعذيب، وكان صادمًا وموجعًا للغاية، لا سيما أن جثمانه لا يزال محتجزًا".

اقرأ أيضًا: زوجة الشهيد الطبيب عدنان البرش: نريد جثمانه لنودّعه

رغم انشغاله، تؤكد زوجته أنه كان حاضرًا في حياة أبنائه: "كان أبًا حنونًا، لم يضرب أبناءه يومًا، وكان يحيطهم بحب كبير. كان يخصص يوم الجمعة لهم، يعدّ الفطور بيده، ويمنحهم حرية اختيار نزهاتهم". وتضيف: "حتى خلال عمله، كان يطمئن عليهم باستمرار، سواء أثناء العمليات أو في أوقات القصف، حريصًا على منحهم لحظات عائلية دافئة رغم ضغط العمل".

ما بعد الحرب

تستعيد حمادة بداية العدوان قائلة: "في اليوم الأول، استيقظ على صوت القصف، وتوجّه فورًا إلى المستشفى دون تردد. رفض النزوح وأصرّ على البقاء مع مرضاه". وتتابع: "كنت أدعمه رغم خوفي، وأقول له إن الإخلاص في العمل لا يضيع. كان يخشى على المرضى أكثر من نفسه، وكنت أشعر بمزيج من الفخر والخوف في آن واحد".

تروي موقفًا إنسانيًا يعكس أثره في حياة الناس: "خلال نزوحنا من جباليا، وجدت نفسي مع أطفالي في الشارع دون مأوى. صادفنا رجل مسنّ استضافنا في منزله فور أن علم أنني زوجة الدكتور عدنان. لاحقًا اكتشفت أن زوجي كان قد عالج ابنه بعد سقوطه من الطابق الرابع. حينها أدركت أن ما زرعه من خير عاد إلينا".

اقرأ أيضًا: إطلاق حملة للمطالبة بإعادة جثمان الطبيب عدنان البرش

وتشير حمادة إلى أن روايات نقلها أسرى فلسطينيون محررون تفيد بأن سجّاني الاحتلال ومحققيه طلبوا منه تقديم استشارات طبية خلال فترة اعتقاله، كما زاره وفد من جامعة تل أبيب داخل سجن "الجلمة" للاستفادة من علمه، بوصفه أحد أبرز جراحي العظام في فلسطين، رغم كونه أسيرًا.

وتضيف: "لم يشفع له علمه، إذ أُعدم داخل سجن عوفر بدم بارد، في جريمة بشعة وممنهجة، تقوم على استغلال الكفاءات الفلسطينية عند الحاجة، ثم التنكيل بها، في محاولة لكسر الروح المعنوية وإضعاف النسيج الاجتماعي والصحي الفلسطيني، ودفع الناس نحو الهجرة القسرية".

لم تقتصر حياة البرش على الطب، بل كان رياضيًا نشطًا. تقول زوجته: "كان يعتبر الرياضة جزءًا من حياته، مارس السباحة باحتراف، وكان ينصح مرضاه بها، بل ويشاركهم أحيانًا".

كما واظب على الجري صباحًا، واهتم بكرة القدم والشطرنج، وشغل منصب رئيس الدائرة الطبية في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، ومستشارًا طبيًا للمنتخب الوطني، وشارك في ورش دولية متخصصة في إصابات الملاعب، وقدم محاضرات حول الطب الرياضي والتغذية ومكافحة المنشطات.

وتختم بعبارته التي كان يرددها: "لا تمارس الرياضة لإنقاص الوزن أو لبناء العضلات، بل مارسها كي لا تحتاج إلى عكاز عندما تكبر".

اخبار ذات صلة