قائمة الموقع

من الركام إلى الضوء... شقيقان في غزة يصنعان الكهرباء من الريح (صور)

2026-04-23T18:53:00+03:00
من الركام إلى الضوء... شقيقان في غزة يصنعان الكهرباء من الريح
فلسطين أون لاين

لم تكن عودة الشابين محمد طوطح وشقيقه إبراهيم إلى حي الزيتون جنوب مدينة غزة مجرد رجوع إلى منزل، بل مواجهة قاسية مع واقع أعاد تعريف معنى "البيت" و"الحياة" بالنسبة لهما.

بعد شهور من النزوح القسري إلى جنوب القطاع، حيث ازدحمت الخيام وضاقت الأرض بالنازحين، عادا محمّلين بأمل هش، ليجدا أن ما تبقى ليس سوى أطلال وذكريات متناثرة تحت الركام.

محمد، الشاب في العشرينات من عمره، لم يكن مختلفًا عن غيره من الشباب الذين تعطلت أحلامهم بفعل الحرب. أنهى دراسته في قسم الهندسة بالكلية الجامعية، تخصص فني مصاعد، وكان يطمح إلى بدء حياته العملية بهدوء، لكن الحرب أوقفت كل شيء، وفرضت عليه واقعًا عنوانه النزوح والفقد ومحاولة البقاء.

عند عودته مع عائلته، كانت الصدمة أكبر من قدرته على الاستيعاب؛ فالمكان الذي نشأ فيه تحوّل إلى كومة من الركام، لم يبقَ منه سوى جدران متشققة وأدوات متناثرة، كأن البيت فقد ذاكرته.


لم يكن أمامهم خيار سوى البقاء، فنصبوا خيمة قرب الأنقاض، رغم خطورة المنطقة القريبة من "الخط الأصفر"، حيث لا يتوقف إطلاق النار والقصف.

في تلك البيئة القاسية، غابت الكهرباء وشحّ الماء، وغرق الليل في ظلام دامس، لا يقطعه سوى وميض القصف وأصوات الطائرات. عندها، بدأت فكرة صغيرة تتشكل في ذهن محمد: كيف يمكنه أن يصنع الضوء بيديه؟

عاد إلى ركام منزله، وبدأ يبحث بين الحجارة عن أي شيء قابل للاستخدام. وجد محرك غسالة قديمة، وبعض التروس، وقطعًا بلاستيكية وأسلاكًا متناثرة. بالنسبة لغيره، كانت مجرد مخلفات، أما بالنسبة له فكانت بداية مشروع.


بمساعدة شقيقه إبراهيم، بدأ العمل بإمكانات بسيطة، دون أدوات متطورة أو أجهزة قياس دقيقة، معتمدين على خبرة محدودة وإصرار كبير. استخدما ماسورة بلاستيكية كبيرة، قُطّعت وشُكّلت لتصبح شفرات تدور مع الرياح، وثُبّتت على هيكل بسيط متصل بالمحرك الذي عمل كمولد بدائي للكهرباء.

لم تكن المهمة سهلة؛ فالرياح غير منتظمة، والتوازن بين الشفرات كان تحديًا، إضافة إلى صعوبة تثبيت الهيكل في أرض غير مستقرة. ومع ذلك، واصل محمد العمل لساعات طويلة، أحيانًا تحت الشمس وأحيانًا على وقع القصف.

بالنسبة له، لم تكن التجربة مجرد محاولة هندسية، بل معركة لإثبات أن الحياة يمكن أن تستمر رغم كل شيء.


 

وبعد أيام من المحاولات، تحقق أول إنجاز: دارت الشفرات، وتحرك المحرك، وخرجت أول شرارة كهرباء. لم تكن كبيرة، لكنها كانت كافية لإضاءة مصابيح صغيرة داخل الخيمة. في تلك اللحظة، لم يكن الضوء مجرد إنارة، بل رمزًا للأمل.

لاحقًا، طوّر محمد اختراعه، وأضاف لوحات كهربائية بسيطة لتنظيم التيار، ما أتاح شحن الهواتف المحمولة، وهو ما شكّل فارقًا كبيرًا للعائلة، إذ أعاد لهم جزءًا من التواصل مع العالم.

لكن هذا النشاط لم يمر دون ملاحظة؛ فقرب الموقع من نقاط عسكرية جعل أي حركة غير اعتيادية محط مراقبة. وفي أحد الأيام، حلّقت طائرات مسيّرة فوق المكان، تدور حول الطاحونة وتوثّق تفاصيلها، ما أثار قلق العائلة.

ورغم ذلك، لم يتوقف محمد، مدركًا أن التراجع يعني العودة إلى الظلام.

كان إبراهيم السند الحقيقي في هذه الرحلة، لا تقنيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا، يشجعه في لحظات الإحباط، ويشاركه العمل والحلم. تحولت علاقتهما من أخوة إلى شراكة في الصمود.

اليوم، يقف محمد أمام اختراعه، مدركًا أنه ما زال في بدايته، إذ يطمح إلى تطويره ليشغّل مزيدًا من الأجهزة، وربما يساعد عائلات أخرى.

لكن الطريق ليس سهلًا؛ فهناك نقص حاد في الأدوات الأساسية مثل أجهزة القياس ومنظمات التيار والأسلاك الجيدة، ما يضطره للاعتماد على إعادة تدوير ما يجده بين الركام.

ورغم ذلك، يواصل العمل بصمت، محوّلًا معاناته إلى فعل. يرى في كل قطعة مكسورة فرصة، وفي كل يوم صعب دافعًا للاستمرار.

قصة محمد وإبراهيم طوطح ليست مجرد حكاية عن طاحونة هواء بدائية، بل عن قدرة الإنسان على التكيف، وتحويل الألم إلى أمل. في مكان تغيب فيه أبسط مقومات الحياة، نجح شابان في صناعة الضوء من الريح، ومنحا عائلتهما شعورًا، ولو بسيطًا، بالأمان.

وفي حي الزيتون، حيث لا يزال الركام شاهدًا على الدمار، تدور طاحونة صغيرة بصمت، تحمل في حركتها قصة صمود، وتؤكد أن الإرادة قادرة على الانتصار حتى في أقسى الظروف.

اخبار ذات صلة