قائمة الموقع

صالح... طفل حمل اسم أبيه ولحق به شهيدًا رغم "وقف النار"

2026-04-23T16:25:00+03:00
الطفل الشهيد صالح بدوي... حمل اسم أبيه ولحق به شهيدًا رغم "وقف النار"
فلسطين أون لاين

في حيّ الزيتون جنوب شرق غزة، كان الطفل صالح بدوي (11 عامًا) يقف إلى جانب والدته، يشاركها في تقطيع الثوم والبصل في جو عائلي دافئ يتحدى الدمار من حولهم. سألها مبتسمًا إن كان أداؤه يعجبها… وبعد لحظات، أنهت رصاصة إسرائيلية واحدة كل شيء.

كان صالح الذي يحمل اسم أبيه الشهيد، يجلس كما يفعل كل يوم... طفل هادئ يحفظ القرآن، ويحلم أن يكبر ليصبح مهندسا معماريا يعيد بناء غزة. لم يكن هناك ما ينذر بشيء قبل أن تباغته الرصاصة.

لم يمضِ الكثير من الوقت على عودة صالح من نزوحه القسري من جنوب قطاع غزة إلى بيته، حاملا معه ألمه وأمله، وحلمه الذي كبر معه. يقول جده محمد بدوي الذي كان يرعاه منذ ولادته لصحيفة "فلسطين"، إن صالح لم يرَ أباه يومًا، إذ استشهد بينما كانت أمه حاملا به، وكنتُ في حيرة من أمري، ماذا سأقول له حين يكبر عن أبيه.

في طريقه لاستصدار شهادة وفاة لحفيده، بعدما استخرجها قبل سنوات لابنه، يعتصره الوجع. يضم يده بيدِ محمد، الأخ الوحيد لصالح، كأنهما يواسيان بعضهما في إثر فاجعة لا يقويان على تحملها. تدمع عينا الجد (64 عاما)، ويقاوم حزنه، موضحا أن صالح حاول أن يحيا حياته كأي طفل آخر.


 

وقبل استشهاده، عبّر صالح عن نفسه في مقطع فيديو، شرح فيه موهبته وأمنيته، قائلا: أنا صالح صالح بدوي، أبلغ من العمر 11 عاما، موهبتي المفضلة لعب كرة القدم، وأتمنى أن أصبح في المستقبل مهندسا معماري لأعمر بيوت غزة المدمرة.

لكن هذه الأمنيات البريئة كانت محاصرة بالنيران، ففي حي الزيتون وقعت الجريمة الإسرائيلية بحق صالح في 16 من الشهر الجاري، رغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

يقول محمد شقيق صالح لصحيفة "فلسطين" أمس: قبل نصف دقيقة من استشهاده كان يسأل أمي: "هيك تقطيع الثوم منيح؟"، فأجابت: "اه منيح"، ثم استدار وفاضت روحه إلى بارئها بفعل الرصاصة الإسرائيلية. أما والدته فباتت في حالة يرثى لها، واحتضنت قبره حتى خارت قواها، واصطحبها حماها بالكاد من المقبرة إلى بيتها، هناك حيث تحاصرها الذكريات.

بينما يوضح جد صالح، أن الشقة التي كان يقيم فيها الطفل بلا جدران بفعل الدمار الناجم عن الحرب في المنطقة. وقد لمست الرصاصة حافة سقف الشقة، ثم اخترقت مباشرة أذن صالح وخرجت من أذنه الأخرى.

كانت هذه النهاية غير المتوقعة لحياة صالح بعد رحلة شقاء وعناء مريرة قاساها الطفل منذ بدء الاحتلال حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما فيها من تشريد قسري وتجويع وشقاء في البحث عن المأكل والمشرب والمأوى.

كما أن استشهاد صالح نكأ جراح العائلة التي فقدت "صالح الأب" عام 2014. يقول الجد: ارتقى ابني في إثر إصابته بشظية من صاروخ إسرائيلي بينما كان يتبادل الحديث مع جارنا أمام باب المنزل، وعندما ولد طفله الثاني أسميناه بنفس الاسم، وقد لقي مصير أبيه شهيدًا.

كان صالح الابن، يتمنى رؤية أبيه، ويمازح أهله كلما تحدثوا عن سيرته قائلا: "أنا شفته وعرفته". ولا يزال شقيقه محمد يذكر حلما رأته والدته يومًا وكأنما تحقق بعد أعوام، يقول: "أمي رأت أبي وهو يلعب مع صالح".

يستذكر الجد، كيف حاول أن يخفف عن حفيده صالح ألم غياب أبيه، قائلا: "أخبرته أن الاحتلال لا يفرق بين طفل ولا عجوز وقد اختاره ربنا شهيدًا". وبعد ارتقاء الطفل صالح، يؤكد أن الاحتلال لا يحترم الشرائع ولا الكتب السماوية بما فيها التوراة، مشيرًا إلى أن قادة الاحتلال يهتمون فقط بمصالحهم الشخصية، ولا يأبهون حتى بمجتمعهم.

ويضيف: الاحتلال يقتل أينما كان، يريد أن يرعب الكبار والصغار لتمرير هدفه بتهجير الشعب الفلسطيني ليسلب أرضه.

وصالح هو واحد من 784 شهيدًا منذ سريان اتفاق وقف الحرب، ومن 72 ألفًا و560 شهيدًا منذ بدء حرب الإبادة، معظمهم أطفال ونساء، وفق إحصاءات وزارة الصحة.

ويزج الاحتلال أهالي القطاع في أقل من 50% من مساحته، ويسيطر على المساحة المتبقية بالقوة العسكرية ضمن ما يسمى "الخط الأصفر"، كما أنه يواصل جرائم القصف والقتل والنسف في خروق مستمرة لاتفاق وقف الحرب.

لم يكبر صالح ليصبح مهندسًا معماريًا كما أراد… لكنه ترك خلفه بيتًا مثقلًا بالفقد، وحلمًا معلّقًا في ذاكرة عائلته: أن تُبنى غزة يومًا، بلا احتلال.

 

اخبار ذات صلة