تقترب نسبة الفلسطينيين في شطري القدس المحتلة من نحو 40%، وهي نسبة تُثير مخاوف الاحتلال، ويسعى بشكلٍ كبير إلى تقليل أعداد الفلسطينيين بكل ما لديه من وسائل، في مقابل رفع أعداد المستوطنين، من خلال رفع حجم البناء الاستيطاني في القدس المحتلة، في إطار ما يُمكن وصفه بالعبث في الميزان الديموغرافي في المدينة المحتلة، بما يُفضي إلى التفوق العددي الاستيطاني، وما يرتبط بهذه الأعداد من امتداد مناطقهم، وفرض المزيد من السيطرة على مناطق الفلسطينيين.
وإلى جانب تعزيز الاستيطان، وهدم منازل الفلسطينيين، تتابع أذرع الاحتلال تنفيذ سياسات سحب بطاقات الإقامة الدائمة (الهوية الزرقاء) من الفلسطينيين في القدس المحتلة، وتُعدّ "الهوية الزرقاء" تصريح إقامة دائمة يُمنح للمقدسيين من دون أن تعادل "المواطنة" الإسرائيلية، وتُستخدم أداةً للتحكم في من يحق له البقاء ضمن حدود بلدية الاحتلال، ويشكل سحب الهويات إجراءً عقابيًا تستهدف به سلطات الاحتلال الفلسطينيين، وتهدد به النشطاء ورموز الدفاع عن القدس والأقصى، إلى جانب كونه استهدافًا ديموغرافيًا، وجزءًا من مخططات الاحتلال لتقليل أعداد الفلسطينيين في القدس المحتلة.
سياسات سحب الهوية الزرقاء
يسحب الاحتلال بطاقات الهوية الزرقاء أو الإقامة الدائمة الخاصة بالفلسطينيين في القدس، ليحرمهم من حق الإقامة في المدينة، وثمّة ذرائع كثيرة يختلقها الاحتلال لسحب هذه الهويات من المقدسيين، نذكر أبرزها في النقاط الآتية:
- سياسة "مركز الحياة": ويُعدّ أكثر هذه الأسباب شيوعًا، إذ تسحب سلطات الاحتلال بطاقة الإقامة من المقدسيين في حال أثبتت وزارة الداخلية في حكومة الاحتلال أن المقدسي نقل مركز حياته إلى خارج القدس، حتى لو كان ذلك إلى داخل واحدةٍ من مناطق القدس المحتلة الواقعة خارج جدار الفصل، وبطبيعة الحال أي منطقة في الضفة الغربية المحتلة أو خارج فلسطين، وبموجب هذه القوانين فإن البقاء خارج القدس المحتلة لمدة تزيد عن 7 سنوات، أو إذا حصل على إقامة أو جنسية في دولة أخرى، تقوم سلطات الاحتلال بسحب بطاقات المقدسيين.
- قيود لم الشمل: تعرقل سلطات الاحتلال حصول المقدسي (أو المقدسية)، الذي تزوج من شخص من الضفة الغربية أو غزة، على هوية (إقامة) لزوجته أو زوجها، وهو ما يضطر العائلة إما إلى العيش خارج المدينة المحتلة، وهو ما يعني خسارته للإقامة بفعل قوانين الاحتلال، أو العيش في القدس من دون أوراق رسمية، وهو ما يعرضهم للملاحقة والإبعاد القسريّ من قبل قوات الاحتلال.
- أسباب أمنية (العقوبات الانتقامية): تُسحب الهويات كعقوبة جماعية وانتقامية من المقدسيين الذين يتهمون بالمشاركة في أعمال مقاومة، وما يتصل بمنفذي العمليات الفردية من عوائلهم أو من قدم لهم المساعدة، وقد تحولت في السنوات الماضية إلى أداة بيد سلطات الاحتلال لفرض العقاب الجماعي على المقدسيين.
- سحب هويات النواب والوزراء الفلسطينيين: استهدف الكيان نواب مدينة القدس بسحب هوياتهم وطردهم بذريعة عدم ولائهم للكيان، وقد جرى ذلك مع نواب القدس في المجلس التشريعي الفلسطيني، وهم النواب محمد أبو طير، ومحمد عطون، ومحمد طوطح ، ووزير القدس الأسبق خالد أبو عرفة، حيث صدر قرار سحب إقامتهم في عام 2018.
- إجراءات تعسفية أخرى: فرض الجدار الفاصل واقعًا جغرافيا، أدى إلى عزل عشرات العائلات الفلسطينية عن المدينة المحتلة، ما عرضهم إلى فقدان الحق في الإقامة.
أعداد غير مسبوقة
بسبب حصر معطيات سحب الهويات لدى وزارة الداخلية في حكومة الاحتلال، فإن الحصول على معطيات محدثة عامًا بعد آخر تكتنفه صعوبات كبيرة، ونعتمد في هذا التقرير على "مركز الدفاع عن الفرد- هموكيد" الإسرائيليّ، الذي يراسل الوزارة المذكورة بطريقةٍ رسمية مطلع كل عام، للحصول على هذه الأرقام، وبطبيعة الحال تُنشر هذه المعطيات خلال العام الذي يليه بحسب توقيت رد الوزارة، وبحسب المركز فقد راسل وزارة الداخلية في بداية عام 2025، وتلقى الرد في 1 أيلول/سبتمبر 2025، ويُشير الرد الذي تلقاه مركز "هموكيد" إلى أن وزارة الداخلية في حكومة الاحتلال سحبت الهويات الزرقاء لـ 60 فلسطينيًا من الشطر الشرقي من القدس المحتلة في عام 2024، من بينهم 33 امرأة و3 أطفال، وأشار تقرير المنظمة إلى أن 52 فلسطينيًا ممن سُحبت منهم الإقامة الدائمة، كانوا خارج الأراضي المحتلة.
وبحسب منظمة "هموكيد" سحبت سلطات الاحتلال بطاقات الإقامة الدائمة من 14929 فلسطينيًا من القدس المحتلة ما بين عامي 1967 و2024.
وبحسب بيانات الوزارة التي نقلها المركز فقد قُدم ما بين بداية عام 2024 و30 نيسان/إبريل 2025 نحو 38 طلبًا من قبل فلسطينيين لاستعادة بطاقة الإقامة الدائمة، ووافقت سلطات الاحتلال على 8 طلبات من بينها، ورُفض 3 طلبات لأسباب مختلفة، ولم تبت في الطلبات الأخرى.
نماذج في السنوات الماضية
ومن الفلسطينيين المقيمين في القدس المحتلة الذين سحبت منهم سلطات الاحتلال بطاقة الإقامة الدائمة في عام 2024، الشاب ماجد الجعبة، ففي 16/2/2024 صادقت المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية جالي بهراب ميارا على سحب حق الإقامة في القدس من الشاب ماجد، بعد نحو شهرين ونصف من إعلان وزارة الداخلية الإسرائيلية أنها تدرس سحب الإقامة منه بزعم عضويته في حركة حماس، والشاب الجعبة أسيرٌ محرر، وأحد المرابطين في المسجد الأقصى.
ومن الفلسطينيين الذين سحبت منهم سلطات الاحتلال بطاقة الإقامة الدائمة في عام 2025، عددٌ من الأسرى المحررين في صفقات التبادل مع المقاومة، ففي 27/2/2025 قرر وزير الداخلية في حكومة الكيان موشيه أربيل، إلغاء تصاريح الإقامة الدائمة لستة أسرى من القدس المحتلة، تحرروا في المرحلة الأولى من صفقة التبادل، هم: مجدي الزعتري، وموسى أحمد، وخالد قطينة، وأحمد عبيد، ومراد نظمي العجلوني، وإبراهيم برينا. وجاء في القرار أنّ السّتة "أدينوا بارتكاب جرائم إرهابية"، وقال الوزير: "إنّ كل من يختار العمل ضد دولة إسرائيل والمشاركة في النشاط الإرهابي ليس له مكان فيها". وفي 4/6/2025 سلمت سلطات الاحتلال الأسير المحرر محمد علي عطون (22 عامًا) من بلدة صور باهر جنوب القدس المحتلة، قرارًا يقضي بسحب إقامته من القدس المحتلة.
ختامًا، تُشكل سياسة سحب الهويات في القدس جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في المدينة المحتلة*، حيث تتقاطع هذه السياسة مع أدوات الاحتلال الأخرى، وتشمل الاستيطان وهدم المنازل، وتعزيز الحضور البشري الاستيطاني في المناطق الفلسطينية، وتُسهم سياسة سحب الهويات إلى تقليص الوجود الفلسطيني بصورة تدريجية، وتستهدف سلطات الاحتلال من خلالها المقدسيين القاطنين خارج المدينة وخارج فلسطين برمتها، ما يجعل عودتهم من خارج القدس أمرًا متعذرًا، وتفضي بطبيعة الحال إلى فرض الاحتلال المزيد من الحقائق على أرض الواقع.