قائمة الموقع

الحشرات والقوارض تحاصر نازحي غزة... معاناة إنسانية بلا نهاية

2026-04-21T19:02:00+03:00
الحشرات والقوارض تحاصر نازحي غزة... معاناة إنسانية بلا نهاية
فلسطين أون لاين

تتحسس كفاية حسين وجه طفلتها رشا (8 أعوام) بعد أن خدشته القوارض المنتشرة بكثافة في محيط خيمة نزوحها القسري غرب مدينة غزة، وتجتاحها المخاوف على أطفالها المعرضين ليلا ونهارا للمخاطر البيئية المحدقة والأمراض المختلفة التي قد تهدد حياتهم.

وتعيش كفاية مع أسرتها كحال مئات الآلاف من النازحين في غزة في ظروف بيئية توصف أمميا وفلسطينيا بأنها كارثية، بين ركام المباني التي دمرتها قوات الاحتلال خلال حرب الإبادة، والنفايات التي تعرقل سلطات الاحتلال جهود التعامل معها.

بجوار مبنى مدمر، تقيم السيدة خيمة تؤويها مع زوجها وأطفالها الثلاثة لكن القوارض والحشرات يقضان مضجعها. تقول لصحيفة "فلسطين" إن طفلتها رشا كانت ضحية للخدش من القوارض بينما كانت نائمة ليلا، واستيقظت الأسرة على صراخها.


 

بقلب أمٍّ مفجوع تتسارع نبضاته خوفا على أطفالها، تقف كفاية فاقدة للحيلة أمام واقع يفوق قدرتها على التحمل أو المواجهة، موضحة أن ارتفاع درجات الحرارة ساعد في انتشار القوارض والحشرات التي باتت تفتك بالنازحين.

"ما بننام بالمرة، إما من البعوضة أو من العِرس"، تقول كفاية بنرة يخنقها الألم والحيرة، مشيرة إلى جسد طفلتها الأخرى نسمة (5 أعوام) الذي تنتشر عليه آثار قرصات الحشرات.

ترفع بعضا من ملابسها لتخفف عنها حرقة ناجمة عن قرص البعوض، قائلة: "بتنقرص حتى من فوق الأواعي. والبنطلون دايما بلاقي فيه براغيث، وبتعاني من الحساسية". وتبدي فقدانها للأمل من فعالية أي دواء لطفلتها مع استمرار مسببات الداء.


 

تحاول كفاية أن تواجه الكارثة بما تستطيع، ومن ذلك شراء بعض الأدوية الخاصة بالحشرات التي لم تحقق سوى نتائج محدودة، بينما تقف عاجزة تماما عن مواجهة القوارض.

تقول كفاية: "في عز النهار لو في هدوء بتلاقي العرس بتطلع، والليلة الماضية لاحظت 8 عرس طلعت من بين الردم"، مبينة أن القضاء على هذه القوارض يفوق قدراتها الشخصية وإمكاناتها المحدودة.

وفي خيمة نزوح مجاورة، تعاني أريج النجار مع أطفالها من المشكلة ذاتها مع انعدام القدرة على الحل.

ترعى أريج في تلك الخيمة، طفليها في ظل عدم معرفة مصير زوجها المفقود خلال الحرب، مبينة أن طفلها مصعب (10 عام) يصاب بالحساسية على الدوام بسبب قرص الحشرات من البعوض والذباب وغير ذلك، إضافة إلى القوارض.

وتجاور الخيمة كومة من ركام مبنى مدمر، تنطلق منه الكثير من الكائنات التي تشكل خطرا محدقا بأريج وأسرتها، بمن فيها والدة زوجها الستينية التي توجهت إلى المستشفى أملا بالعلاج من آثار صحية تعرضت لها بسبب الظروف البيئية المحيطة.

تلخص أريج دورة حياتها الصعبة في ظل هذا الواقع، بقولها لصحيفة "فلسطين": "ما بننام بالمرة لا من العرس ولا البعوضة ولا الدبان. طول الليل صاحية أكش فيهم".

تشير إلى ظهر طفلها مصعب الذي تظهر عليه علامات القرص، مبينة أنها تعجز عن توفير العلاجات الخاصة به على نفقتها، وفي بعض الأحيان لا يتوفر في المستشفيات في ظل الحصار.


وتقول إن الأسرة تتشارك فرشتين فقط لا تسلمان من مخلفات القوارض التي تغزو الملابس أيضًا، مضيفة أنها لا تملك وسيلة للمكافحة باستثناء أنها تحاول إبعاد القوارض بالعصا أو تسلط عليها ضوء الهاتف النقال في محاولة لدفعها للهرب.

مظاهر بيئية ضارة

وبجانب كومة من النفايات والركام، يقيم أحمد الشاعر خيمة لإيواء أسرته المكونة من سبعة أفراد. ومع إصابة اثنين من أطفاله بمرض التلاسيميا ومعاناة زوجته من مرضي الضغط والسكر ومشكلات في الغدة وجلطة في القدم، يتفاقم الخطر الذي تسببه الحشرات والقوارض والكلاب.

وتتخذ الكلاب الضالة من محيط خيمته مكانا لها، كما ينتشر الذباب بكثافة فيها، فضلا عن الفئران والعرس. يقول الشاعر لصحيفة "فلسطين": "زي ما انت شايف أنا وأفراد أسرتي عايشين هنا. لا بنعرف ننام ولا نصحى من الحشرات والقوارض".


 

ويشير بيده إلى الطعام المعلق أعلى الخيمة، في محاولة لمنع الحشرات والقوارض من الوصول إليه في ظل عجز تام عن مواجهتهم. ويروي الشاب تفاصيل مريرة من حياته اليومية، بقوله: "بكون قاعد مع زوجتي وأطفالي بالليل بلاقي العرسة مرّت من قدامنا".

ومع اهتراء خيمته، فقد الشاعر القدرة على إغلاقها في وجه تلك الكائنات الضارة التي تدخل إليها بسهولة، ما يجعل من أطفاله فريسة لها.

وفي ظل الانتشار الكثيف للقوارض تنتج بعض المظاهر البيئية الضارة. يقول الشاعر: قبل يومين، ألقى أحد النازحين مجموعة من العرس المقتولة قرب خيمتي، اضطررت إلى التقاطها بالمناديل وإلقائها بعيدًا.

يتمنى الشاعر أن يجد حلا لتلك المشكلة، قائلا: "ياريت إذا في أدوية يرشوها ويزيحوا الركام اللي بتختبئ فيه القوارض". ويروي أنه شاهد نحو 50 عرسة تخرج من بين الركام عندما عمل أحدهم على إزاحة القليل منه.

ويضيف: أما الكلاب فهي مصيبة أخرى، إذ تعمل على تمزيق الشوادر للدخول إلى الخيمة، مشيرًا إلى أنه حاول عرقلتها باستخدام بعض الحجارة دون جدوى، بينما اقترح جيرانه تسميمها وهو حل وجد أنه ينطوي على مخاطر منها انبعاث الروائح الكريهة.

ووسط تلك الظروف وتعدد المخاطر، فوجئ الشاعر منذ يومين بصرخة أطلقتها إحدى طفلاته، ليجد إصبعا في قدمها ينزف، ويهرع بها إلى المستشفى دون أن يدري سبب إصابتها، ما عزز مخاوفه على أطفاله.

وكان رئيس بلدية غزة د.يحيى السراج قال في حوار سابق مع صحيفة "فلسطين"، إن مدينة غزة شهدت المدينة تصاعدًا ملحوظًا في نشاط القوارض، ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب: تراكم النفايات الصلبة، وتضرُّر شبكات الصرف الصحي وتسرُّب مياهه، والبيئة غير الصحية الناجمة عن تكدُّس الركام والمياه الراكدة.

كما أكد الخبير البيئي البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه في تصريحات سابقة لصحيفة "فلسطين"، أن الصرف الصحي والنفايات الصلبة يشكلان مرتعا للآفات كلها سواء كانت زواحف أو ثدييات أو عِرَس أو فئران أو حشرات أو ثعابين لأنها تجد فيهما المأكل والمأوى والمخبأ، مضيفا أن الردم الناجم عن القصف يمثل أيضا بيئة مناسبة جدًا توصف بأنها مسامية تتكاثر فيها تلك الكائنات.

وفي ظل استمرار تداعيات حرب الإبادة، تتحول معاناة النازحين في غزة إلى واقع مركّب من الموت المباشر والتهديدات البيئية التي تفتك بهم. وبين القصف والركام وتفشي القوارض والأمراض، تتكشف فصول مأساة إنسانية تتسع يومًا بعد يوم دون أفقٍ قريب للنجاة.

 

اخبار ذات صلة