بعد أكثر من مئة عام من الاعتماد على التجربة في تطوير المطاط المقوّى، أعلن فريق بحثي دولي عن اكتشاف يشرح للمرة الأولى الآلية الحقيقية التي تمنح هذه المادة قوتها الاستثنائية، والتي تقوم عليها صناعات بمئات المليارات من الدولارات حول العالم.
فقد ركّزت الدراسة، المنشورة حديثًا في مجلة علمية مرموقة، على المادة الأكثر تأثيرًا في صلابة المطاط: جسيمات الكربون الأسود التي تضاف إليه لتحويله من مادة لينة إلى أخرى تتحمل أقسى الظروف، من حرارة وضغط واحتكاك.
محاكاة ضخمة تكشف اللغز
اعتمد الفريق العلمي، بقيادة باحثين من جامعة جنوب فلوريدا، على أكثر من 1500 محاكاة جزيئية متقدمة تعادل نحو 15 عامًا من العمل الحاسوبي، لفحص كيفية تفاعل مئات آلاف الذرات داخل المطاط المقوّى.
وأظهرت النتائج أن الكربون الأسود لا يضيف فقط قوة للمادة، بل يغيّر طريقة استجابتها للشدّ والضغط، عبر منع ما يُعرف في علم المواد بـ"اختلاف نسبة بواسون" — وهي العلاقة التي تحدد كيف تتمدد المادة طوليا وتضيق جانبيا عند تعرضها للشد.
ففي المطاط الطبيعي، يؤدي الشد إلى تمدد طولي وانكماش جانبي. لكن وجود الكربون الأسود يعطّل الانكماش، فينشأ "صراع داخلي" بين قوى التمدد والمقاومة، ما يجعل المطاط أكثر صلابة، وأكثر قدرة على تحمل الإجهادات والتمزق.
طفرة في فهم سلوك المواد
يؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يمثل منعطفًا مهمًا في تاريخ علم المواد، إذ يقدم تفسيرًا دقيقًا لظاهرة اعتمدت عليها الصناعة دون فهم كامل لأكثر من قرن.
فمنذ بدايات استخدام الكربون الأسود في تعزيز المطاط أوائل القرن العشرين، تطورت الصناعة بناء على التجارب العملية فقط، من دون معرفة الآلية العلمية وراء هذا التعزيز. واليوم، يفتح هذا الفهم الجديد الباب أمام تصميم مواد أكثر تقدمًا اعتمادًا على نماذج علمية، وليس التجربة وحدها.
ويرى الفريق أن ما تم التوصل إليه "يسد فجوة معرفية عمرها عشرات السنين"، ويتيح مستقبلًا القدرة على التنبؤ بخصائص المواد قبل تصنيعها، ما قد يقود إلى تطوير جيل جديد من المطاط والمواد المتقدمة ذات الأداء الأعلى والتكلفة الأقل.

