يلتقي وزراء خارجية الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء في لوكسمبورغ، في اجتماع سيتم خلاله مناقشة عدة ملفات، على رأسها مستقبل اتفاق الشراكة الذي يربط التكتل بـ"إسرائيل"، والذي بات يثير انقسامات عميقة، بشأن إمكانية تعليقه أو إعادة النظر فيه.
قبيل الاجتماع، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن بلاده ستطالب مجددًا بتعليق الاتفاق، معتبرًا أن "إسرائيل" تنتهك القانون الدولي. وردّ عليه وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي، جدعون ساعر، باللغة الإسبانية، مندداً بـ"نفاق" حكومة سانشيز، متهمًا إياها بـ"معاداة السامية".
موقف مدريد تتبناه دول أخرى مثل أيرلندا وسلوفينيا. أرسلت الدول الثلاث رسالة إلى المفوضية الأوروبية، في وقت سابق، طالبت فيها بدراسة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و"إسرائيل". كما طالبت بتقييم مدى التزام "إسرائيل" بتعهداتها في مجال حقوق الإنسان عقب اندلاع الحرب في غزة.
في المقابل، تبرز معارضة قوية داخل الاتحاد، تقودها ألمانيا، التي ترى أن الحفاظ على الاتفاق ضروري للإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة مع "إسرائيل".
هذا التباين يجعل من الوصول إلى قرار بالإجماع بشأن تعليق الاتفاق الكامل أمرًا بالغ الصعوبة، في حين أن تعليق الجزء التجاري منه فقط يتطلب أغلبية مؤهلة لم تتوفر حتى الآن؛ مع الإشارة هنا إلى أنه سبق للدول الأعضاء في التكتل أن ناقشت في وقت سابق تعليق هذه الاتفاقية التجارية مع "إسرائيل"، لكن دون التوصل إلى اتفاق بسبب عدم حصولها على أغلبية الدعم، نتيجة لتردد عدد من الدول الأعضاء، بما فيها ألمانيا. غير أن تدهور الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة والهجوم الإسرائيلي على لبنان، دفعا عدة دول إلى إعادة فتح النقاش.
مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، قالت إن التكتل "سيقيّم ما إذا كان بالإمكان المضي قدمًا" في هذا الملف، مؤكدة في الوقت ذاته الحذر الأوروبي من اتخاذ قرارات متسرعة. وكانت قد أوصت سابقًا بالنظر في تعليق الجزء التجاري من الاتفاق، دون التوصل إلى توافق بين الدول الأعضاء.
تكمن أهمية هذا الملف في الوزن الاقتصادي الكبير للعلاقة بين الطرفين، إذ يشكل الاتحاد الأوروبي نحو 33% من صادرات "إسرائيل" و40% من وارداتها، ما يجعل أي قرار محتمل بتعليق الجانب التجاري خطوة ذات تداعيات كبيرة.
يُسهّل الاتفاق التجاري بين الجانبين، والذي دخل حيز التنفيذ عام 2000، التبادلات الاقتصادية والسياسية من خلال إنشاء، على وجه الخصوص، منطقة تجارة حرةٍ لمعظم السلع، ولا سيما المنتجات الصناعية والزراعية.
تؤكد المفوضية الأوروبية أن الاتفاقية تُوفر إطارًا قانونيًا ومؤسسيًا مناسبًا للحوار السياسي والتعاون الاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي و"إسرائيل". كما تُشير المفوضية الأوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لـ"إسرائيل".
على مر السنين، تم توسيع نطاق الاتفاقية لتشمل "إسرائيل" في العديد من سياسات الاتحاد الأوروبي، وفقًا لموقع "توت لوروب" المتخصص، ولا سيما السماح لإسرائيل بالمشاركة في برنامج إيراسموس+، مما يسهل تبادل الشباب بين "إسرائيل" وأوروبا.
غير أن الاتفاقية تتضمن بندًا جوهريًا، إذ تنص المادة الثانية منها صراحة على أن الشراكة تقوم على "احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية". وهنا تشدد بعض الدول الأوروبية على أن تصرفات "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية قد تتعارض مع هذا البند.
وقد دعت عريضة، وقّع عليها أكثر من مليون شخص، إلى تعليق هذه الشراكة. هذه العريضة أطلقها التحالف اليساري الأوروبي من أجل الشعوب والكوكب (ELA)، وهو حزب أوروبي يُسلط الضوء على "العدد غير المسبوق من القتلى والجرحى بين المدنيين" الذين تسببت بهم "إسرائيل" في حربها على غزة. ويأمل الموقعون أن يدفع الضغط الشعبي الاتحاد الأوروبي إلى تعليق الاتفاقية.
ومع ذلك، يبقى تعليق الاتفاقية "صعباً" كما أشارت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، في سبتمبر/أيلول. ويتطلب مثل هذا القرار موافقة أغلبية الدول الأعضاء. فرغم الزخم السياسي، ما يزال الاتحاد الأوروبي يعاني من انقسامات حادة تعرقل اتخاذ مواقف موحدة منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر عام 2023، ما يجعل من اجتماع لوكسمبورغ اختبارًا جديدًا لقدرة الأوروبيين على بلورة موقف مشترك تجاه أحد أكثر الملفات حساسية في سياستهم الخارجية.
وسيناقش رؤساء الدبلوماسية في الاتحاد الأوروبي أيضاً، خلال اجتماعهم، العقوبات ضد المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية المجمدة منذ أشهر بسبب اعتراض المجر، حيث تأمل بعض الدول في تجاوز هذه الانقسام حول هذا الموضوع، لاسميا بعد هزيمة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي كان يعترض على هذه العقوبات، هزيمته في الانتخابات البرلمانية التي جرت في بلاده يوم الـ12 أبريل/نيسان الجاري.

