قائمة الموقع

اعترافات جنود الاحتلال بغزة.. أدلة إدانة دامغة وسط عدالة دولية غائبة

2026-04-21T09:01:00+03:00
جرائم دامية اعترف جنود الاحتلال بارتكابها في غزة
فلسطين أون لاين

في تطور لافت يكشف زيف الرواية الإسرائيلية بشأن "أخلاقية" جيشها، كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية عن سلسلة اعترافات صادمة لجنود وضباط شاركوا في العمليات العسكرية داخل قطاع غزة، تضمنت إقرارات بارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وربما جرائم إبادة جماعية.

هذه الشهادات، التي صدرت عن منفذي الانتهاكات أنفسهم، لا تفتح فقط الباب أمام مساءلة قانونية دولية، بل تعيد طرح سؤال جوهري عن فعالية النظام الدولي في محاسبة مرتكبي الجرائم، خاصة في ظل الحماية السياسية التي تحظى بها (إسرائيل).

بحسب ما نشرته الصحيفة، روى جنود إسرائيليون تفاصيل مروعة عن سلوكيات ميدانية تضمنت إعدامات مباشرة لمدنيين عُزّل، وتعذيب أسرى، وإذلالهم بطرق مهينة، إضافة إلى عمليات نهب وتدمير ممنهجة للممتلكات. أحد الجنود تحدث عن إطلاق النار على رجل مسن وثلاثة أطفال دون أي تهديد، في حين أقر آخرون بإطلاق النار على مدنيين رفعوا أيديهم استسلاماً، ثم تسجيل الحادثة على أنها "تصفية إرهابيين".

كما تضمنت الشهادات سلوكيات تنم عن انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، مثل احتجاز مدنيين في أقفاص والتبول عليهم، وسط ضحك الجنود، إلى جانب اعترافات بنهب ممتلكات الفلسطينيين واعتبار ذلك "غنائم". الأخطر من ذلك، ما كشفه ضابط في سلاح الجو من أن بعض الهجمات تم التخطيط لها مع العلم المسبق بسقوط أطفال ضحايا، دون أن يشكل ذلك رادعاً.

خرق للقانون

يرى أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية برام الله، د. رائد بدوية، أن هذه الممارسات تمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر استهداف المدنيين أو معاملتهم بطرق مهينة.

ويؤكد بدوية لـ "فلسطين أون لاين"، أن إطلاق النار العشوائي، والإعدامات الميدانية، والتعذيب، ونهب الممتلكات، جميعها تندرج ضمن جرائم الحرب، لا سيما في حال ثبوت تعمد استهداف المدنيين دون تمييز.

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية في رام الله، د. رائد بدوية

ويشير إلى أن تكرار هذه الانتهاكات يعكس وجود سياسة ممنهجة، وليست مجرد تجاوزات فردية، ما يفتح الباب أمام توصيف أخطر يتعلق بجرائم الإبادة الجماعية، خاصة في ظل استهداف البنية التحتية والسكان بشكل واسع.

من جانبه، يؤكد أستاذ القانون الدولي من مصر د. محمد مهران أن هذه الاعترافات تمثل "أدلة قضائية" بالمعنى القانوني، وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وتحديداً المادة 69، التي تعتبر الاعتراف من أقوى وسائل الإثبات، خاصة إذا صدر طوعاً.

أستاذ القانون الدولي، د. محمد مهران

وأوضح مهران لـ"فلسطين أون لاين"، أن هذه الشهادات تثبت أركان الجرائم المنصوص عليها في المادة 8 (جرائم الحرب)، بل وقد تشير إلى توافر القصد الجنائي الخاص لجريمة الإبادة وفق المادة 6.

ورغم وضوح الأدلة، تبقى مسألة الملاحقة القانونية معقدة. فوفق بدوية، إذا ثبت أن هذه الجرائم نُفذت بناءً على أوامر عسكرية، فإن المسؤولية لا تقع فقط على الجنود المنفذين، بل تمتد إلى القادة السياسيين والعسكريين، بموجب مبدأ "مسؤولية القائد".

ويشير إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تملك الاختصاص للنظر في هذه الجرائم، إلا أن تنفيذ قراراتها يواجه عقبات سياسية، أبرزها الدعم الأمريكي لـ(إسرائيل)، واستخدام الفيتو في مجلس الأمن، ما يعيق أي تحرك دولي فعّال.

في المقابل، يدعو مهران إلى تحرك فوري من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، استناداً إلى المادة 53 من نظام روما، لفتح تحقيقات وإصدار مذكرات توقيف بحق المسؤولين، ليس فقط على مستوى القيادة العليا، بل أيضاً قادة الوحدات العسكرية المتورطة.

كما يشدد على أهمية تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يسمح لمحاكم دول مثل بلجيكا وإسبانيا بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية، بغض النظر عن مكان وقوعها، داعياً وكلاء الضحايا إلى استثمار هذه الاعترافات كأدلة حاسمة في القضايا المرفوعة.

وأوضح مهران أن المحامين الممثلين لعائلات الضحايا الفلسطينيين يملكون الآن سلاحاً قانونياً لا يُقهر. وأكد أن هذه الاعترافات تمثل إقرار قضائي بالذنب وهو أعلى درجات الإثبات في القانون الجنائي، مشيراً إلى أن الاعتراف الطوعي الصادر عن الجاني يُعفي المحكمة من عبء إثبات الركن المادي للجريمة ويجعل الإدانة شبه حتمية.

ورغم أن هذه الاعترافات تعزز روايات الضحايا وتدعم الملفات المقدمة للمحاكم الدولية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في تحويلها إلى أحكام قضائية نافذة. فكما يشير بدوية، يعاني النظام الدولي من "عجز بنيوي" في فرض القانون على الدول المدعومة من قوى كبرى، ما يجعل العدالة رهينة التوازنات السياسية.

ومع ذلك، تبقى هذه الشهادات ذات قيمة استراتيجية، إذ يمكن توظيفها ضمن مسارات متعددة، تشمل العمل الدبلوماسي، وتوثيق الانتهاكات، وتعزيز حملات المناصرة الدولية، إلى جانب استخدامها في التحقيقات الجارية أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وتكشف اعترافات جنود الاحتلال في غزة عن واقع ميداني يتناقض جذرياً مع الخطاب الرسمي الإسرائيلي، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بمبادئ العدالة والمساءلة. وبينما توفر هذه الشهادات أدلة نادرة صادرة عن الجناة أنفسهم، يبقى التحدي الأكبر في كسر حلقة الإفلات من العقاب، وتحويل هذه الأدلة إلى مسار قانوني فعّال يضمن إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين.

اخبار ذات صلة