فلسطين أون لاين

غزة والمواجهة غير المتناظرة.. كيف ينتصر الأضعف عسكرياً بصبره على الأقوى؟

غزة صمود أسطوري في مواجهة عدوان شامل يعكس إرادة شعب يرفض الاستسلام ويفرض معادلات استراتيجية جديدة على الاحتلال الإسرائيلي. منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 تحول القطاع إلى ساحة حرب غير متكافئة حيث واجهت المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب القسام وفصائل أخرى جيشا يمتلك تفوقا جويا وبحريا وبريا مدعوما بتقنيات حديثة ودعم لوجستي أمريكي مباشر.

اعتمدت المقاومة استراتيجية دفاعية مركبة تجمع بين حرب الأنفاق كعمق استراتيجي يسمح بالمناورة والكمائن والإغارة المفاجئة وبين إطلاق رشقات صاروخية مكثفة باتجاه العمق الإسرائيلي لإجبار العدو على تشتيت قواته وإرهاقه نفسيا ولوجستيا. هذه الاستراتيجية حولت غزة المحاصرة منذ سنوات إلى قلعة مقاومة صلبة أجبرت الاحتلال على الدخول في مستنقع بري طويل الأمد أدى إلى استنزاف قدراته البشرية والمادية دون تحقيق أهداف سياسية أو عسكرية حاسمة مثل القضاء على البنية التحتية للمقاومة أو نزع سلاحها.

على الصعيد البشري تكبد الاحتلال خسائر فادحة اعترف بها جزئيا عبر أرقامه الرسمية التي تشير إلى قرابة تسعمائة قتيل عسكري منذ بداية الحرب مع أكثر من أربعمائة وخمسين خلال المرحلة البرية بالإضافة إلى آلاف الإصابات تتراوح بين طفيفة ومتوسطة وخطيرة وتصل إلى نحو ستة آلاف حسب الإحصاءات المعلنة مع تقديرات أعلى بكثير من مصادر مستقلة تشمل اضطرابات نفسية وإعاقات دائمة.

هذه الخسائر البشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي تعكس فشلا في الحفاظ على الروح المعنوية للقوات المهاجمة التي واجهت مقاومة شرسة في المناطق المبنية والأنفاق حيث أصبحت الآليات العسكرية هدفا سهلا لقذائف مضادة للدروع وكمائن معدة مسبقا. أما على الجانب الفلسطيني فقد سجلت وزارة الصحة في غزة أكثر من سبعين ألف شهيد ومئة وسبعين ألف مصاب غالبيتهم من المدنيين بما في ذلك آلاف الأطفال والنساء مع آلاف المفقودين تحت الأنقاض. هذا الثمن الباهظ لم يكن عبثا بل كان جزءا من معادلة الصمود التي حافظت على تماسك الجبهة الداخلية ومنعت الاحتلال من فرض واقع جديد يقوم على التهجير القسري أو السيطرة الكاملة.

من الناحية المادية ألحق العدوان دمارا شاملا ببنية غزة التحتية حيث دمر أو أضر بنسبة تصل إلى تسعين بالمائة من المباني السكنية والمنشآت الحيوية بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجامعات والطرق والشبكات الكهربائية والمائية. تقدر الخسائر الاقتصادية الأولية المباشرة بنحو سبعين مليار دولار تشمل تدمير القطاعات الإسكانية والصحية والتعليمية والزراعية والصناعية. هذا الدمار المنهجي يهدف إلى محو القدرة على الحياة في القطاع لكن المقاومة نجحت في تحويله إلى عامل تعزيز للإرادة الشعبية حيث أصبح الركام نفسه غطاء لعمليات الإغارة والكمائن. الاحتلال خسر أيضا مئات الآليات العسكرية بين دبابات ومدرعات وجرافات جراء عمليات الاستهداف المباشر بالصواريخ المضادة للدروع والعبوات الناسفة مما أدى إلى إرهاق سلسلة الإمداد اللوجستية ورفع تكاليف الصيانة والتعويض.

سياسيا شكل صمود غزة ضربة قاسية للاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على نظرية الأمن الشامل والردع المطلق. فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه المعلنة مثل إعادة احتلال القطاع أو تفكيك البنية العسكرية للمقاومة مما أدى إلى أزمة داخلية عميقة في الكيان الصهيوني تجلت في انقسامات سياسية ومظاهرات احتجاجية وتراجع في الثقة بالقيادة العسكرية. المقاومة من جانبها نجحت في فرض معادلة ردع جديدة حيث أصبح استمرار العدوان يحمل تكلفة باهظة على المستوى البشري والاقتصادي والدبلوماسي مما دفع أطرافا دولية إلى الضغط لوقف إطلاق النار ولو بشكل مؤقت. هذا الصمود أعاد إحياء القضية الفلسطينية على المستوى العالمي وكشف عن هشاشة الرواية الإسرائيلية التي تعتمد على التفوق العسكري دون مراعاة للعوامل الإنسانية والاستراتيجية طويلة الأمد.

يمثل صمود غزة نموذجا حيا لاستراتيجية الحرب الشعبية الطويلة الأمد التي تحول الضعف الظاهري إلى قوة حقيقية من خلال الإصرار على المقاومة والاستفادة من الجغرافيا والعمق الشعبي. الخسائر البشرية والمادية الجسيمة لا تنفي حقيقة أن المقاومة حافظت على وجودها وقدرتها على الاستمرار رغم الحصار والقصف الوحشي. هذا الثبات يشكل رصيدا استراتيجيا يعزز موقف الفلسطينيين في أي مفاوضات مستقبلية ويثبت أن إرادة الشعوب المقاومة تفوق آلة الحرب المتفوقة تكنولوجيا عندما تكون مدعومة بالوعي والتضحية. غزة لم تسقط بل أصبحت رمزا للصمود الذي سيظل يلقي بظلاله على معادلات الصراع في المنطقة لسنوات قادمة.

ان الحرب استمرار للسياسة بوسائل اخرى وان المهمة الاولى هي ربط كل عمل عسكري بهدف سياسي واضح يتمثل في الحفاظ على الوجود المقاوم كقوة ردع حية وفرض استنزاف سياسي واقتصادي متواصل على الاحتلال دون الوقوع في فخ التصادم المباشر الذي يفضله العدو المتفوق تكنولوجيا.

في ظل الهدنة الهشة منذ اكتوبر 2025 التي تشهد انتهاكات يومية ادت الى استشهاد اكثر من سبعمائة فلسطيني واصابة اكثر من الفين مع استمرار السيطرة الجزئية الاسرائيلية على نحو خمسين بالمائة من القطاع يجب على المقاومة ان تعتبر الوقت الحالي مرحلة دفاع استراتيجي يركز على مركز ثقل العدو الذي ليس الجيش بل الارادة السياسية للكيان الصهيوني وداعميه الدوليين.

علينا الحفاظ على الشعب و المقاومة ما يتطلب تجنب اي خطوة تؤدي الى تفكك داخلي او نزع سلاح كامل يجعل القطاع عرضة للاستعمار الجديد كما في الخطط المطروحة.

بدلا من ذلك ينبغي استغلال فترة الهدوء النسبي لاعادة بناء القدرات والاجيال الجديدة وتعزيز الروابط مع الجبهات الاقليمية الداعمة مع التركيز على تحويل الضعف الظاهري الى قوة حقيقية .

الاحتكاك في الحرب يظهر جليا في الخسائر الاسرائيلية البالغة قرابة تسعمائة وثمانية وثلاثين قتيلا عسكريا منذ البداية مع استمرار الاصابات في العمليات المتفرقة لذا يجب على المقاومة ان تتجنب المعارك الحاسمة وتركز على زيادة التكلفة النفسية والاقتصادية للعدو حتى ينهار صبره السياسي.

في النهاية الصمود الشعبي هو السلاح الاقوى واي تقدم سياسي يأتي من خلال الحفاظ على البنية المقاومة كعنصر حيوي يفرض على العدو ان يقبل واقعا جديدا يقوم على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني..

المصدر / فلسطين أون لاين