يتقاطع التقييم العام لوقف إطلاق النار في لبنان عند كونه اتفاقًا هشًا لا يعكس نهاية حقيقية للمواجهة، بل مرحلة مؤقتة تحكمها توازنات ميدانية معقدة. ويؤكد خبيران سياسيان أن سلوك جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد إعلان التهدئة، سواء عبر استمرار الخروقات أو السعي لفرض واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية، يقوّض فرص الاستقرار ويُبقي احتمالات التصعيد قائمة.
ويرى الخبيران أن استهداف المناطق المدنية والتوسع في العمليات العسكرية يعكسان محاولة للضغط وتغيير قواعد الاشتباك، في وقت لم تتمكن فيه دولة الاحتلال من تحقيق حسم ميداني. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو وقف إطلاق النار أقرب إلى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار، أكثر من كونه اتفاقًا راسخًا يفتح الباب أمام تهدئة طويلة الأمد.
تحول نوعي
ويرى المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير، في حديثه مع صحيفة "فلسطين"، أن وقف إطلاق النار في لبنان لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة المواجهة التي سبقته، والتي أظهرت – بحسب وصفه – "تحولًا نوعيًا في أداء المقاومة وقدرتها على فرض معادلات ردع جديدة رغم الفارق الهائل في الإمكانيات العسكرية".
ويؤكد قصير أن ما جرى ميدانيًا خلال الأسابيع الأخيرة "ليس مجرد اشتباكات حدودية تقليدية، بل مواجهة مفتوحة كشفت هشاشة التفوق الإسرائيلي عندما يُستنزف في حرب طويلة".
ويضيف: "المقاومون في الجنوب أظهروا بسالة لافتة، ليس فقط عبر الصمود في مواقعهم، بل أيضًا من خلال إيقاع خسائر مباشرة في صفوف جنود الاحتلال، وهو ما حاولت إسرائيل التقليل من شأنه إعلاميًا، لكنه كان واضحًا على الأرض".
المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير
وأشار إلى أن "العمليات النوعية، سواء عبر الكمائن أو الاستهدافات الدقيقة، أعادت التوازن إلى ساحة المعركة، وفرضت على الجيش الإسرائيلي إعادة حساباته أكثر من مرة".
وفي قراءته لوقف إطلاق النار، يقول قصير: "هذا الاتفاق لا يعني نهاية المواجهة، بل هو أقرب إلى هدنة هشة فرضتها معادلات القوة الميدانية. إسرائيل لم تحقق أهدافها، ولم تتمكن من كسر إرادة المقاومة، ولذلك لجأت إلى وقف إطلاق النار كخيار اضطراري وليس استراتيجيًا".
ويتابع محذرًا: "ما يجري الآن هو محاولة إسرائيلية لإعادة إنتاج مشهد أمني جديد في الجنوب عبر استمرار الخروقات، سواء بالقصف المتقطع أو التوغلات المحدودة. هذه السلوكيات ليست عشوائية، بل تهدف إلى اختبار حدود الردع ومحاولة فرض قواعد اشتباك جديدة".
ويشدد قصير على أن "استهداف البنى المدنية في القرى الجنوبية يعكس عجزًا عسكريًا واضحًا، ومحاولة للضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة"، مضيفًا: "لكن التجربة أثبتت أن هذه السياسة تأتي بنتائج عكسية، إذ تعزز الالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة بدل إضعافه".
ويختم بالقول: "إذا استمرت إسرائيل في هذا النهج التصعيدي، فإن احتمال انهيار وقف إطلاق النار يبقى مرتفعًا، لأن المقاومة لن تقبل بتثبيت واقع أمني ينتقص من سيادة لبنان أو يكرّس وجودًا عسكريًا إسرائيليًا داخل أراضيه. نحن أمام مرحلة دقيقة عنوانها: هدنة تحت النار، لا سلام حقيقي".
تكرار للنموذج الغزّي
من جهته، يعتبر الخبير في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر أن ما يحدث في لبنان "هو تكرار شبه حرفي للنموذج الذي فرضته إسرائيل في غزة، مع اختلاف الجغرافيا فقط".
ويقول أبو جابر لـ"فلسطين": "إسرائيل لا تتعامل مع وقف إطلاق النار كاتفاق ملزم، بل كأداة تكتيكية لإعادة التموضع. ما نراه في جنوب لبنان اليوم من بقاء قوات الاحتلال داخل بعض النقاط الحدودية ومحاولات رسم خطوط تماس جديدة، يشبه إلى حد كبير ما حدث في غزة، حيث فُرض ما يُعرف بالخط الأصفر كأمر واقع".
الخبير في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر
ويضيف: "هناك مؤشرات واضحة على أن إسرائيل تسعى لخلق منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، سواء عبر التوغلات المحدودة أو الاستهداف المستمر لأي تحرك تعتبره تهديدًا. هذه ليست خروقات عابرة، بل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية على حدودها الشمالية".
ويتابع: "اللافت أن إسرائيل، رغم إعلان وقف إطلاق النار، لم توقف عملياتها العسكرية بالكامل. القصف مستمر وإن كان بوتيرة أقل، والاستطلاع الجوي لا يتوقف، ما يعكس غياب نية حقيقية للالتزام بالاتفاق".
ويحذر أبو جابر من تداعيات هذا النهج قائلاً: "هذه الحالة لا تُنتج استقرارًا، بل تُبقي المنطقة في حالة توتر دائم. وعندما يشعر الطرف الآخر أن وقف إطلاق النار يُستخدم لتثبيت وقائع جديدة، فإن احتمالات الانفجار تصبح أعلى".
كما يشير إلى أن "إسرائيل تراهن على عامل الوقت، باعتقاد أن الضغط التدريجي قد يدفع المقاومة إلى القبول بشروط جديدة"، لكنه يستدرك: "هذه المقاربة فشلت في غزة، ومن المرجح أن تواجه المصير نفسه في لبنان".
ويضيف: "ما يجب الانتباه إليه أن هذا السلوك لا يقتصر تأثيره على لبنان فقط، بل قد يمتد إلى الإقليم بأكمله، إذ إن أي تصعيد غير محسوب في الجنوب قد يفتح الباب أمام تدخلات أوسع، في ظل ترابط ساحات المواجهة".