قائمة الموقع

الشهيد مؤمن بدوان.. حكاية بر انتهت بالشهادة في يوم الأرض

2026-04-20T15:15:00+03:00
الشهيد مؤمن بدوان
فلسطين أون لاين

 لم تكن سيرة الشهيد القائد في كتائب القسام، مؤمن محمد بدوان (41 عاما)، مجرد فصول عابرة في سجل العمل العسكري الوعر، بل كانت مزيجا نادرا وفريدا بين حكمة الفقيه المتزن، وشجاعة المقاتل الذي لا يهاب الردى، وحنان الابن البار الذي جعل من رضا والدته بوصلة لخطواته.

ففي الوقت الذي كان فيه يخطط بدقة لمواجهة ترسانة الاحتلال، كانت يداه تمتدان بصمت مطبق لتمسح دموع الجوع عن وجوه أطفال غزة المكلومين، قبل أن يختم رحلته في الدنيا بمشهد تراجيدي مهيب، ارتقى فيه شهيدا بتاريخ 30 آذار مارس 2025، وهو في طريقه لأداء واجب البر تجاه والدته في أول أيام عيد الفطر من العام المنصرم، ليكون دمه عطرا لهذا العيد.

بصيرة العلم ونور الجهاد

تقول زوجته آمنة بدوان (36 عاما)، والدموع تمتزج بابتسامة فخر واعتزاز تضيء وجهها الصابر لـ "صحيفة فلسطين": "إن مؤمن لم يكن مجرد زوج أو قائد عسكري يكتفي بإصدار الأوامر، بل كان مدرسة قيم تمشي على الأرض، فمنذ نعومة أظفاره كان شغوفا بالنهل من علوم الدين، وقد صقلت الجامعة الإسلامية بغزة شخصيته القيادية حين نال منها درجة البكالوريوس في الشريعة والقانون".

وتضيف آمنة أن هذا التخصص لم يكن بالنسبة له مجرد شهادة أكاديمية، بل كان دستورا روحيا ومنهاجا لحياته اليومية، فكان يطبق روح الشريعة وسماحتها في ميدان المقاومة، وعدالة القانون في تعامله مع الناس، مؤمنا بأن البصيرة الدينية هي التي تنير للمجاهد طريق الجهاد الوعر.

الأب الحنون والسند

وتستطرد آمنة في وصف الجانب الإنساني: "إلا أن مؤمن كان في بيته شخصا مثاليا لا يضاهى، كان الأب الحنون لـ (إسراء، وجنى، ويحيى، ومحمد، وكرم)، يغرس في نفوسهم حب الله والقدس بكلماته الرقيقة لا بأوامره الصارمة، كان الزوج والأخ والسند الذي لا يميل مهما اشتدت العواصف، يفصل تماما بين أعباء الميدان وثقل المسؤولية وبين هدوء المنزل، يغمر عائلته بعطفه ويشعرهم بالأمان والسكينة رغم أزيز الطائرات وأصوات القصف المحيطة بهم".

ولم يكن اختيار القدر لتاريخ استشهاد القائد مؤمن في الثلاثين من مارس محض صدفة عابرة، بل جاء ليعمق الارتباط الوجداني بين المقاوم والأرض التي عشقها. ففي "يوم الأرض"، الذي يحيي فيه الفلسطينيون ذكرى تمسكهم بهويتهم وجذورهم، اختار مؤمن أن يجدد العهد بدمه، ليؤكد أن الدفاع عن الأرض ليس مجرد شعار، بل هو بذل وعطاء يمتد من غزة إلى كل ذرة تراب في فلسطين.

لقد تلاقت في ذلك اليوم رمزية الصمود الوطني مع تضحية القائد، لتتحول ذكرى "يوم الأرض" في وجدان عائلته ومحبيه إلى ذكرى معمدة بالدم، شاهدة على أن الأرض التي ارتوت بعرق الفلاحين لا تزال تطلب مهرها من دماء القادة الأوفياء.

جهاد من نوع آخر

وتكشف آمنة عن جانب سري، ففي ظل حرب التجويع الشرسة في شمال غزة، لم يطق مؤمن رؤية الأطفال يبكون من ألم الجوع، فبادر وبتكتم شديد لتأسيس فريق "سواعد غزة" الإغاثي، والذي تحول سريعا إلى شريان حياة لمئات العائلات المنكوبة، أشرف مؤمن بنفسه على إدارة العمليات الخيرية وتوزيع الطرود الغذائية تحت لهيب العدوان، معتبرا أن تعزيز صمود الجبهة الداخلية هو جزء أصيل ومقدس من معركته مع المحتل.

وعن يوم الاستشهاد، تروي آمنة: "في 30 مارس 2025، الموافق لأول أيام عيد الفطر، كان قلبه معلقا بوالدته التي كانت ترقد في المستشفى بحالة حرجة، ورغم المخاطر الأمنية، أصر على زيارتها وتفقدها، وكأنه كان يطلب منها الرضا في لحظاته الأخيرة".

وتتابع: "بعد مغادرة المستشفى، استهدفت طائرات الغدر سيارته بشكل مباشر، ليرتقي شهيدا كما تمنى دوما، وتصاب هي وابنتها بجراح، لتختلط دماؤهم بدماء القائد".

تختم آمنة حديثها بالإشارة إلى أن الفراق لم يطل، فبعد فترة وجيزة جدا من استشهاده، ولشدة تعلق قلبها بروح ابنها البار، لحقت به والدته لترتقي شهيدة صابرة، ليرحل مؤمن تاركا خلفه إرثا عظيما من العزة بعد أن أدى أمانة الدين، والوطن، وبر الوالدين على أكمل وجه.

اخبار ذات صلة