في غزة، لا تُقاس الجريمة بعدد الضحايا فحسب، بل بعدد الشهادات التي تنجو من الضياع. في مكان تُمحى فيه الأحياء خلال دقائق، يتحول توثيق ما يحدث إلى سباقٍ مع الزمن، ومع القصف، ومع انقطاع الكهرباء والاتصالات.
كل صورة، كل مقطع فيديو، وكل شهادة ناجٍ، قد تكون الدليل الأخير قبل أن يُدفن كل شيء تحت الركام. وسط هذا المشهد القاسي، يعمل مختصون على تحويل هذه الشظايا المتناثرة إلى ملفات قانونية متماسكة، تمهيدًا لاستخدامها في مسارات العدالة الدولية.
وسط هذا الواقع، يعمل فريق التوثيق في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان على بناء ملفات قانونية تستند إلى أدلة ميدانية ورقمية، تُجمع في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد.
طالع المزيد: الأورومتوسطي يرفض تقرير صحيفة "التلغراف" المضلل ضد مشروعه "ويكي رايتس"
توضح منسقة مشروع التوثيق في قطاع غزة، بسمة الغصين، أن المرصد يعتمد على "منظومة توثيق متعددة المسارات، تجمع بين العمل الميداني المباشر والرصد عن بُعد".

وتشير، لصحيفة "فلسطين"، إلى أن باحثين ميدانيين داخل القطاع يوثقون الشهادات والبيانات الأولية فور وقوع الحوادث، رغم القيود الأمنية وظروف النزوح المستمرة.
وتضيف: "بالتوازي، نعتمد على قنوات رقمية متعددة لتلقي المواد، مثل الصور ومقاطع الفيديو وشهادات الضحايا وشهود العيان، كما ندعم العمل الميداني بتحليل المصادر المفتوحة، والمواد الإعلامية، والتقارير الحقوقية والطبية، بما يضمن استمرار التوثيق حتى عند تعذر الوصول المباشر إلى موقع الحادثة".
وفي بيئة مشبعة بالمعلومات المضللة، تؤكد الغصين أن جميع المواد تخضع لعملية تحقق متعددة المراحل، تبدأ بفحص المصدر الأصلي، ثم تحليل البيانات الوصفية المرتبطة بها، مثل التوقيت والموقع.
وتتابع: "نقارن الشهادات مع مصادر مستقلة، كالتقارير الطبية أو الصور من مواقع أخرى، ونستخدم تقنيات التحقق الرقمي مثل تحديد الموقع الجغرافي (Geolocation) وتحليل التسلسل الزمني للأحداث، إلى جانب مراجعة السياق العام للحادثة، ولا نعتمد أي مادة كدليل إلا بعد التأكد من اتساقها مع مصادر متعددة".
وتشدد على أن التوثيق لا يقتصر على الشهادات، موضحة: "نعتمد على أدوات تقنية متقدمة، منها صور الأقمار الصناعية لتحليل أنماط التدمير، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) لرسم خرائط الاستهداف والنزوح".

وتضيف: "نستخدم أيضًا أدوات تحليل البيانات لرصد الأنماط الزمنية والمكانية للانتهاكات، إلى جانب تحليل الصور والفيديوهات من المصادر المفتوحة، ما يساعد في بناء صورة شاملة للعنف، لا تقتصر على الوقائع الفردية".
وعن الأساس القانوني لتوصيف ما يجري في غزة، توضح الغصين أن ذلك يستند إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، التي تحدد أفعالًا تُعد إبادة إذا ارتُكبت بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية، كليًا أو جزئيًا.
وتبين: "حللنا الوقائع الموثقة وفق الأركان القانونية للجريمة، بما يشمل القتل واسع النطاق، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى الهلاك، واستهداف القدرة على الإنجاب، وتدمير مقومات الحياة الأساسية".
وتشير إلى أن عنصر القصد الجنائي يُستدل عليه من خلال الأنماط المتكررة للأفعال، والتصريحات الرسمية، والسياسات المعلنة.
وفي مواجهة اتهامات تسييس التوصيف، تؤكد الغصين: "هذا توصيف قانوني منهجي يستند إلى تعريفات دولية واضحة، وليس موقفًا سياسيًا. استخدام مصطلح الإبادة الجماعية يصبح واجبًا قانونيًا عند توافر عناصر الجريمة".
وتلفت إلى الاستفادة من السوابق الدولية، مثل قضايا رواندا والبوسنة والهرسك، التي أسهمت في تطوير معايير إثبات القصد الجنائي وتحليل الأنماط المنهجية للعنف.
وعن أنماط الجرائم، تقول: "رصدنا تكرار استهداف المساكن المدنية، ومحو عائلات كاملة من السجل المدني، وتدمير البنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس، إضافة إلى التهجير القسري والتجويع واستهداف الصحفيين والطواقم الطبية".
وتؤكد أن هذه الأنماط تعكس سلوكًا منهجيًا، لا حوادث منفصلة.
وتورد مثالًا موثقًا: "في إحدى الحالات، استُهدفت عائلة العويني في خان يونس في فبراير 2024، حيث شمل الهجوم قصف المنزل، ثم استهداف من حاول النجاة بنيران القنص، وعرقلة إسعاف المصابين وانتشال الجثامين، إضافة إلى اعتقال من تبقى على قيد الحياة".
وفي ما يتعلق بتوثيق جرائم التجويع، توضح: "نرصد تدمير البنية المرتبطة بالإمداد الغذائي، مثل المخابز والأراضي الزراعية، واستهداف قوافل المساعدات ومنع دخولها، إلى جانب جمع شهادات السكان وتحليل بيانات المساعدات وتقارير سوء التغذية، خاصة لدى الأطفال".
وعن التحديات، تقول الغصين: "نواجه قصفًا مستمرًا وخطر الاستهداف المباشر، إلى جانب النزوح المتكرر للباحثين، وانهيار البنية التحتية، ما يصعّب الوصول إلى مواقع الحوادث".
وتضيف: "هناك ضغط نفسي هائل، لأن الباحثين يعملون في بيئة كارثية، وهم أنفسهم ضحايا لهذه الانتهاكات".
وتوضح أن النزوح وانقطاع الاتصالات يعرقلان العمل، لكن الفريق يعتمد حلولًا بديلة، مثل التخزين المؤقت وإعادة إرسال البيانات عند توفر الاتصال.
وعن تحويل الأدلة إلى ملفات قانونية، تقول: "نحوّل المواد الخام إلى ملفات منظمة وفق معايير الإثبات الدولية، تشمل توثيق البيانات، وربط الأدلة بالشهادات، وتحليل الوقائع وتصنيفها، لتكون قابلة للاستخدام في التحقيقات الدولية".

وتؤكد وجود تنسيق مع جهات قانونية دولية، وتقديم مواد موثقة ضمن أطر معتمدة، مع ضمان سرية الشهود وسلامة الأدلة، وفي بعض الحالات ربط الضحايا مباشرة بلجان التحقيق.
وفي تقييمها لفرص المساءلة، تشير إلى أن تراكم الأدلة الموثقة يعزز فرص المحاسبة على المدى المتوسط والبعيد، رغم التحديات السياسية.
طالع المزيد: الأورومتوسطي يكشف عن تدمير 93.5% من مقابر غزة ويحذر من طمس الأدلة الجنائية
وتختتم برسالة للمجتمع الدولي: "حماية المدنيين ومنع الإبادة الجماعية ليست خيارًا، بل التزام قانوني".
وتحذر الغصين من أن "الصمت أو التقاعس، أو الاستمرار في تقديم الدعم في ظل مؤشرات قوية على ارتكاب جرائم جسيمة، قد يرقى إلى مستوى التواطؤ".
وتشدد على ضرورة الانتقال من الإدانة إلى الفعل، عبر وقف الدعم الذي يساهم في الانتهاكات، وضمان تدفق المساعدات دون عوائق، ودعم آليات التحقيق والمساءلة الدولية.

