- ناصر: وقف العدوان يعكس إعادة تموضع محسوبة للمقاومة وإفشالا للأهداف الإسرائيلية
- هزيمة: وقف إطلاق النار يفرض توازن استنزاف جديد في المنطقة
هل انتهت الحروب الإسرائيلية الأمريكية فعلا حين صمتت المدافع في لبنان، وغزة، وتراجعت حدة المواجهة مع إيران؟ أم أن ما جرى ليس سوى انتقال من حرب مفتوحة إلى حرب مؤجلة؟ وهل يعكس وقف إطلاق النار في الساحات الثلاث تراجعا في الإرادة القتالية، أم اعترافا ضمنيا بعجز القوة عن فرض الحسم؟
في القراءة العسكرية، لا يفهم وقف إطلاق النار بوصفه لحظة سلام، بل كنتاج مباشر لوصول الصراع إلى حدوده القصوى، حيث تتقاطع الكلفة مع العجز عن تحقيق الأهداف. وعند هذه النقطة، يتحول "وقف النار" من خيار سياسي إلى ضرورة ميدانية مفروضة.
يحاول التقرير تفكيك هذه اللحظة من خلال خبراء عرب في الشؤون العسكرية، انطلاقا من فرضية أن ما جرى ليس نهاية حرب، بل إعادة توزيع للأدوار داخل صراع مستمر.. ومن هنا، تصبح الأسئلة عن المستفيد، وطبيعة وقف العدوان، ودلالاته، مدخلا لفهم ما هو قادم.
وقف إطلاق النار كنتاج توازن قسري
يرى الخبير العراقي قي الشؤون العسكرية علي ناصر، أن وقف إطلاق النار على التوالي في أكثر من ساحة ليس حدثا عفويا، بل انعكاس لمعركة تفاوضية غير معلنة، جرى فيها ربط الجبهات ضمن سلة واحدة من الضغوط والمصالح، ما فرض إيقاعا موحدا نسبيا للتهدئة.
ويؤكد أن هذا الترابط لا يعني وجود قيادة عمليات مشتركة للقوى المقاومة، بل وحدة في الاتجاه الاستراتيجي، حيث تعمل كل ساحة ضمن هامشها الخاص، لكنها تتأثر بميزان القوى العام الذي يحكم الإقليم.
في المقابل، يوضح الدكتور محمد هزيمة الخبير اللبناني في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، أن ما جرى أقرب إلى تفاعل منضبط بين الجبهات، حيث لا توجد إدارة مركزية، بل شبكة تأثير متبادلة، تضبط التصعيد وتمنع الانفجار الشامل دون أن تلغيه.
ويضيف أن هذا النمط يعكس تعقيد المشهد، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع السياسية، ما يجعل وقف إطلاق النار نتيجة توازن دقيق أكثر منه قرارا حاسما.
بين القوة والعجز
يذهب ناصر إلى أن "إسرائيل" دخلت الحرب بأقصى ما تملك من قوة، لكنها اصطدمت بحقيقة ميدانية مختلفة، مفادها أن القدرة على التدمير لا تعني القدرة على الحسم، وأن قتل البشر لا يكفي لكسر الإرادة لدى الشعوب.
في غزة، ورغم الدمار غير المسبوق، لم تنجح "إسرائيل" في إنهاء المقاومة أو تفكيك بنيتها، بل بقيت المواجهة مفتوحة، ما يعكس فشلا واضحا في تحقيق الأهداف المعلنة، يقول الخبير العراقي.
ويتابع، أما في لبنان، فقد واجهت "إسرائيل" نموذجا أكثر تعقيدا، حيث اصطدمت بقوة منظمة تمتلك خبرة قتالية عالية أظهرها مقاتلو حزب الله، ما جعل أي تقدم ميداني لجيش الاحتلال الإسرائيلي مكلفا وغير قابل للاستدامة.
ويرى هزيمة أن "إسرائيل" حققت إنجازات تكتيكية محدودة، تمثلت في إضعاف بعض القدرات، لكنها لم تترجم ذلك إلى مكسب استراتيجي في أي من ساحات المواجهة، ما أبقى الحرب ضمن دائرة الاستنزاف.
مركز الثقل الصامت
ويشير ناصر في حديثه لصحيفة "فلسطين" إلى أن إيران لم تكن مجرد طرف في الخلفية، بل لاعبا مركزيا في ضبط إيقاع الصراع، عبر التعاون مع حلفائها في الإقليم بمرونة عالية دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة شاملة.
ويشير إلى أن طهران نجحت في تحويل الضغط العسكري الإسرائيلي الأمريكي إلى ورقة تفاوضية، ما منحها قدرة على التأثير في مسار التهدئة دون أن تتحمل كلفة الحرب المباشرة. هذا الدور، بحسب ناصر، يعكس تحولا في طبيعة القوة، من المواجهة المباشرة إلى إدارة الصراع عبر شبكة نفوذ ممتدة.
من جهته، يرى هزيمة أن التعامل مع إيران يتم كمنظومة تأثير، لا كساحة قتال، ما يجعل استهدافها يتم عبر الضغط المباشر غير المباشر ومحاولة تقليص نفوذها الإقليمي.
وقف النار.. إنهاك أم إعادة تموضع؟
وفي قراءاته لأسباب وقف النار في الساحات الثلاث، يؤكد ناصر أن وقف إطلاق النار ليس نتيجة انهيار، بل قرار محسوب لإعادة التموضع من موقع قوة، حيث تسعى الأطراف إلى استثمار الهدنة لإعادة بناء قدراتها.
ويضيف أن المقاومة الفلسطينية واللبنانية وطهران، تنظر إلى هذه المرحلة كاستراحة محارب، تعيد خلالها تنظيم صفوفها وتطوير أدواتها استعدادا لجولات قادمة.
في المقابل، يرى هزيمة أن المشهد يعكس "إنهاكا مدارا" حيث وصلت الأطراف جميعها إلى نقطة لم يعد فيها التصعيد مجديا، ما فرض التهدئة كخيار اضطراري.
ويؤكد الخبير اللبناني لـ"فلسطين" أن هذه المرحلة تمثل إعادة ترتيب للقوى، لا نهاية للصراع، حيث يستعد الجميع لما هو قادم.
الدور الأمريكي.. من الحسم إلى الاحتواء
يرى ناصر أن الولايات المتحدة دخلت الصراع بهدف الحسم السريع لصالح حليفها الإسرائيلي، لكنها وجدت نفسها مضطرة للانتقال إلى سياسة الاحتواء، بعدما اصطدمت بحدود القوة العسكرية.
ويشير إلى أن الضغوط الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى المخاطر الإقليمية، دفعت واشنطن إلى القبول بوقف إطلاق النار مع إيران ولبنان كخيار أقل كلفة.
هذا التحول، بحسب ناصر، يعكس تراجع القدرة الإسرائيلية الامريكية على فرض الإرادة بالقوة، والانتقال إلى إدارة الأزمة بدلا من حسمها.
أما هزيمة، فيؤكد أن واشنطن لا تزال تدير الصراع بما يخدم مصالحها، لكنها تفعل ذلك ضمن سقف يمنع الانفجار الشامل في المنطقة.
من يربح الهدنة؟
يؤكد ناصر أن المعيار الحقيقي لربح الحرب ليس في حجم القتل والدمار، بل في القدرة على تحقيق الأهداف، وهنا تكمن المفارقة، "إسرائيل" دمرت كثيرا، لكنها لم تنتصر.
في المقابل، استطاعت المقاومة الصمود في غزة ولبنان كما صمدت إيران، وهو بحد ذاته مكسب استراتيجي لهذه الاطراف، لأنه أسقط فكرة الحسم السريع، وفرض معادلة ردع جديدة. مضيفا أن الخروج من الحرب دون هزيمة يعني تثبيت الشرعية القتالية، وتعزيز القدرة على المواجهة مستقبلا.
من جهته، يرى هزيمة أن الهدنة في مناطق التوتر تخدم جميع الأطراف بدرجات مختلفة، فهي تمنح كل طرف فرصة لإعادة ترتيب أوراقه، والاستعداد لمفاجآت المستقبل.
هشاشة وقف النار
ويشدد ناصر على أن وقف إطلاق النار في كل الساحات هش بطبيعته، لأنه لم يعالج جذور الصراع، بل جمده مؤقتا، ما يجعل الانفجار مجددا مسألة وقت، ويرى أن استمرار الانتهاكات يعكس غياب الالتزام الحقيقي، ويؤكد أن الهدنة ليست سوى مرحلة انتقالية.
ويتفق هزيمة مع ناصر، على أن الانهيار لوقف إطلاق النار متوقع في ظل تعقيد المشهد، ما يجعل أي خطأ في الحسابات قابلا لتفجير الوضع.
الخبيران يتفقان على أنه لا يمكن قراءة وقف إطلاق النار كمحطة سلام، بل كإعادة تموضع داخل صراع مفتوح. ويشددا على أن ما جرى لم يكن انتصارا حاسما، لكنه كشف حدود القوة، وأثبت أن الصمود قوى المقاومة في المنطقة قادر على تعطيل الحسم من قوى الاحتلال والاستعمار.

