ليالٍ طويلة لا يعرف النوم فيها طريقًا إلى عيني الطفل آدم أبو حليب، ولا يردد سوى عبارة واحدة: "بدي ماما". طفلٌ يريد أن يرتمي في حضن والدته ويخفي وجهه عن كل من حوله، هربًا من ضغطٍ نفسي يفوق قدرة طفل في عامه الخامس، نتيجة تنمّر أقرانه عليه بسبب تشوّه أصاب وجهه، بعد انتشاله من تحت أنقاض منزلٍ كان قد نزح إليه مع أسرته.02105151515
عندما كان يبلغ من العمر عامين ونصف العام، كان آدم من بين ناجين قلائل خرجوا من تحت أنقاض منزلٍ مكوّن من ثلاثة طوابق، قصفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي دون سابق إنذار.
يقول والده سليمان أبو حليب لصحيفة "فلسطين": "نحن من سكان القرارة شرق خان يونس، كنا قد نزحنا إلى مدينة دير البلح لدى أقاربنا في بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وكان المنزل مكتظًا بالسكان".
ويضيف: "فجأة ودون سابق إنذار قصف الاحتلال المنزل فوق رؤوسنا، فاستشهد عدد كبير من أقارب زوجتي، وابني البكر ضياء، فيما أُصيبت زوجتي بجراح بالغة الخطورة، وأُصيب آدم بإصابة أفقدته النظر في عينه اليسرى وتسببت بتشوهات في وجهه".
ويتابع: "بُترت قدم زوجتي وأصيبت بكسور متعددة، وفقدت جميع أسنانها، إلى جانب إصابات أخرى خطيرة ومعقدة. وقد تقرر إجلاؤها طبيًا هي وآدم قبل اجتياح الاحتلال لرفح، لكن عند الوصول إلى المعبر أُعيد آدم لأنه لا يمتلك شهادة ميلاد، إذ فُقدت تحت ركام المنزل المستهدف. وفي اليوم التالي أُغلق معبر رفح".
ومن هنا بدأت رحلة معاناة جديدة للأب سليمان، الذي بات يقوم بدور الأب والأم لابنيه ليان (11 عامًا) وآدم، إلا أن المعاناة الأكبر تتمثل في رعاية آدم، الطفل المصاب الذي يحتاج إلى حنان والدته، وتتفاقم حالته الصحية بسبب طول فترة الإصابة وغياب العلاج المناسب، ما يجعله مهددًا بفقدان النظر في عينه اليمنى أيضًا.
ولا يتوقف الأمر عند المخاطر الصحية، بل يمتد إلى معاناة نفسية قاسية، إذ يتعرض آدم للتنمر من أقرانه بألفاظ جارحة مثل "يا مشوّه"، ما اضطره لترك الروضة بعد يومين فقط من التحاقه بها، رغم سعادته في بدايتها.
ويقول الأب بحرقة: "أسمع ابني يقول: أنا بكره وجهي… لقد تدهورت حالته النفسية بشكل كبير، وهو بحاجة إلى علاج جسدي ونفسي، كما أنه يفتقد والدته كثيرًا التي تتواجد حاليًا في ماليزيا للعلاج، وهو ما يزيد معاناته ومعاناتها النفسية".
ويضيف: "أنا ألعب دور الأم والأب معًا، آدم لا يفارقني أبدًا، فهو كظلي. يعيش حالة عزلة عن أقرانه رغم وجودنا داخل مدرسة تؤوي نازحين، خوفًا من سخرية الأطفال من شكل وجهه. كما أنه مهدد بفقدان مستقبله التعليمي بسبب رفضه العودة إلى الروضة".
ورغم مناشداته المتكررة، وإبداء بعض المراكز الطبية المحلية استعدادها لعلاجه، إلا أن الوضع بقي على حاله، إذ أُبلغ الأب أن حالة آدم معقدة وتحتاج إلى إمكانيات غير متوفرة محليًا، ما يستدعي سفره بشكل عاجل.
ولا يطلب الأب سوى استجابة عاجلة من منظمة الصحة العالمية لإجلاء آدم للعلاج في الخارج، لإنقاذ نظره وصحته الجسدية والنفسية، وتمكينه من لقاء والدته بعد طول انتظار.