يثير تسليم السلطة في رام الله المواطن محمود العدرا، المعروف باسم هشام حرب إلى السلطات الفرنسية الخميس الماضي على خلفية اتهامه بتنفيذ هجوم في باريس قبل 43 عاما، أزمة قانونية وسياسية تتجاوز إطار التعاون القضائي التقليدي، لتضع السلطة في مواجهة اتهامات مباشرة بمخالفة صريحة للقانون الأساسي الفلسطيني.
وتتهم فرنسا حرب إلى جانب فلسطينيين آخرين، بالضلوع في تنفيذ هجوم مسلح عام 1982 استهدف مطعما في الحي اليهودي وسط باريس، وأسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 22، ومنذ عام 2015 تطالب بتسليمه للمحاكمة بموجب مذكرة اعتقال دولية.
وكان رئيس السلطة محمود عباس وعد في نوفمبر الماضي، بتسليم حرب إلى فرنسا، بعد أن أوقفته أجهزة السلطة في 19 سبتمبر/أيلول الماضي.
ووصفت الدكتورة لينا الطبال، أستاذة القانون الدولي في جامعات باريس، هذه الخطوة بأنها "انتهاك دستوري واضح" يمس جوهر سيادة القانون ويكشف اختلال ميزان القرار السياسي والقضائي تحت الضغوط الخارجية.
إشكالية دستورية
وتؤكد الطبال لـ "فلسطين أون لاين"، أن المادة 28 من القانون الأساسي الفلسطيني تنص بوضوح على عدم جواز تسليم أي فلسطيني لجهة أجنبية، ما يجعل ما جرى في حالة العدرا موضع طعن دستوري مباشر، وترى أن السلطة التنفيذية تجاوزت نصاً حاسماً دون أي مسوغ قانوني قابل للتأويل.
وتضيف الخبيرة القانونية أن الإشكالية لا تتعلق بتفسير قانوني مرن، بل بمخالفة صريحة لنص دستوري ملزم، ما يجعل القرار أقرب إلى إجراء سياسي منه إلى تعاون قضائي. هذا التوصيف، بحسبها، يضع السلطة في موقع مساءلة دستورية وأخلاقية في آن واحد أمام الرأي العام الفلسطيني.

أستاذة القانون الدولي، د. لينا الطبال
كما تشير إلى أن تنفيذ التسليم تم رغم وجود طعون قضائية منظورة أمام المحاكم في رام الله، ما يشكل انتهاكا لمبدأ حق التقاضي المكفول في المادة 30 من القانون الأساسي، وينظر إلى ذلك كإضعاف مباشر لاستقلال القضاء وتجاوز لمسار العدالة الداخلية.
وتعتبر أن الجمع بين تجاهل الطعون القضائية وتنفيذ قرار التسليم يخلق حالة "اصطدام مؤسسي" بين السلطة التنفيذية والقضاء، ويحول العدالة إلى أداة تنفيذ سياسي. هذا النموذج، وفق توصيف الطبال، يقوض فكرة دولة القانون لصالح منطق القرار السياسي المتسارع.

وقد أصدرت 13 مؤسسة حقوقية فلسطينية، بيانا نهاية الأسبوع الفائت أكدت فيه أن أي تسليم لمواطن فلسطيني إلى جهة أجنبية يشكل انتهاكا صارخا للقانون الأساسي. هذا الموقف يعكس، وفق الطبال، إجماعا حقوقيا داخليا على رفض هذا النوع من الإجراءات.
حدود المحاكمة العادلة
وتوضح الطبال أن وجود مسار قضائي في فرنسا لا يلغي التساؤلات حول استقلالية القرار، خاصة عندما يتزامن مع تصريحات سياسية رسمية. فالمعيار الحقوقي لا يقيس الشكل الإجرائي فقط، بل مدى الحياد الفعلي للمؤسسات القضائية عن التأثير السياسي المباشر.
وترى أن مبدأ الفصل بين السلطات يقتضي منع أي تداخل بين القرار السياسي والمسار القضائي، لكن ما حدث يعكس تسريعا قضائيا مرتبطا بسياق سياسي معلن. هذا التداخل يثير شبهة تأثير غير مباشر على استقلال القضاء، حتى لو كانت الإجراءات قانونية شكليا.
وتضيف أن المحاكمة العادلة وفق المعايير الدولية لا تعني وجود محكمة فقط، بل توفر ضمانات فعلية للحياد وحقوق الدفاع.. وعندما يتقاطع المسار القضائي مع اعتبارات سياسية، تصبح العدالة معرضة لفقدان توازنها، حتى دون خرق إجرائي صريح
كما تشير إلى أن فرنسا تعتمد على ملفات تعود لأكثر من 40 عاما، ما يثير إشكاليات جدية تتعلق بقدرة الدفاع على فحص الأدلة.. فمرور الزمن الطويل يضعف الشهادات ويقلل من موثوقية الوقائع التاريخية في سياق قضائي حديث.
اقرأ أيضًا: السلطة تسلّم الفلسطيني "هشام حرب" سرًا إلى فرنسا
وتؤكد الطبال أن العدالة لا تقاس فقط بإمكانية الملاحقة، بل بقدرة النظام القضائي على ضمان محاكمة عادلة فعليا.. وتبين أنه مع تقادم الزمن، يصبح تحقيق هذا المبدأ أكثر تعقيدا، وقد يؤدي إلى محاكمات تفتقر إلى توازن حقيقي بين الأطراف.
فرنسا والملفات الفلسطينية التاريخية
وتطرح الطبال تساؤلا حول انتقائية فرنسا في إعادة فتح ملفات تعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي، خصوصا تلك المرتبطة بفلسطينيين. وترى أن تكرار هذا النمط يثير شبهة وجود اعتبارات سياسية تتجاوز الإطار القانوني البحت، وتؤثر على توقيت تحريك الملفات القضائية.
وتشير إلى أن الإصرار الفرنسي على ملاحقة قضايا قديمة يتزامن مع سياقات دبلوماسية حساسة، ما يعزز الانطباع بوجود تداخل بين العدالة والسياسة. هذا التزامن يضعف الثقة في حياد النظام القضائي عند تناول قضايا ذات طابع سياسي تاريخي.
وتلفت إلى أن قضايا مثل قضية هشام حرب تعود إلى عمليات في سياق صراع سياسي معقد، ما يجعل إعادة فتحها بعد عقود محل جدل واسع. فالسؤال لا يتعلق فقط بالقانون، بل بمدى ملاءمة توقيت العدالة في سياق تاريخي متغير.
وتوضح الطبال أن طول المدة الزمنية يخلق فجوة كبيرة بين الوقائع والقدرة على التحقيق، ما قد يؤدي إلى محاكمات تعتمد على روايات غير مكتملة، وهذا يضعف مبدأ قرينة البراءة ويجعل الدفاع في موقف غير متكافئ مع الادعاء.
وترى أن العدالة في هذه الحالات قد تتحول من أداة إنصاف إلى أداة سياسية رمزية، تستدعى فيها أحداث الماضي لخدمة سياقات الحاضر. وهذا التحول، بحسبها، يمثل خطرا على مفهوم العدالة الجنائية في الإطار الدولي.
السلطة بين الالتزام والضغط السياسي
وتؤكد الطبال أن تسليم السلطة مواطن فلسطيني لدولة أجنبية رغم الحظر الدستوري يعكس مستوى من الضغط السياسي الخارجي على القرار الفلسطيني، وترى أن هذا السلوك يضعف صورة السلطة ككيان سيادي مستقل قادر على حماية مواطنيه.
وتشير إلى أن الخطوة تعكس أزمة ثقة داخلية بين المواطن والسلطة، حيث ينظر إلى التسليم باعتباره إخلالا بمبدأ الحماية القانونية. هذا التحول قد تكون له تداعيات سياسية أعمق على علاقة السلطة بمحيطها الاجتماعي والسياسي.
كما ترى أن توقيت التسليم، المتزامن مع تطورات دبلوماسية بين فرنسا والسلطة الفلسطينية، يعزز الانطباع بوجود مقايضات سياسية غير معلنة. هذا الانطباع، حتى لو لم يثبت قانونيا، يؤثر على شرعية القرار في الوعي العام.
وتؤكد الطبال أن السلطة، من منظور دستوري، ملزمة بحماية مواطنيها وليس تسليمهم، ما يجعل هذا الإجراء محل مساءلة قانونية، وتعتبر أن أي تجاوز لهذا المبدأ يمس جوهر العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.
وتضيف أن تكرار مثل هذه الإجراءات قد يؤدي إلى تآكل مفهوم السيادة القانونية الفلسطينية، خاصة إذا ارتبطت بقرارات خارجية. وهذا يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود استقلال القرار القضائي والسياسي في السياق الفلسطيني.
التداعيات السياسية والقانونية المستقبلية
تتوقع الطبال أن يؤثر هذا التسليم على العلاقة بين المواطنين والسلطة، خصوصا في ما يتعلق بالثقة في مؤسساتها القانونية.. فالمواطن قد يرى في هذه الإجراءات مؤشرا على ضعف الحماية القانونية في مواجهة الضغوط الدولية.
كما أن العلاقات الفلسطينية الفرنسية قد تتأثر على المستوى الشعبي، رغم استمرار التعاون الرسمي. فالتباين بين الخطاب السياسي والموقف الحقوقي قد يخلق فجوة ثقة طويلة الأمد يصعب تجاوزها بسهولة في المستقبل القريب.
اقرأ أيضًا: هل سلّمت السلطة الفلسطينية محمود العدرا سرًا إلى فرنسا؟
وتشير القانونية إلى أن استمرار فرنسا في ملاحقة ملفات تاريخية دون مراجعة سياقها السياسي قد يفتح نقاشا أوسع حول العدالة الانتقائية في أوروبا. هذا النقاش قد ينعكس على صورتها كدولة قانون على المستوى الدولي.
وتؤكد الطبال أن العدالة الحقيقية يجب أن تراعي ليس فقط النصوص القانونية، بل أيضا شروط التطبيق العادل، خاصة في القضايا الممتدة زمنيا. وإلا فإن النظام القضائي قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج صراعات سياسية قديمة.
وتشدد على أن قضية محمود العدرا تمثل اختبارا مزدوجا للسلطة الفلسطينية وللنظام القضائي الفرنسي معا، بين احترام الدستور من جهة، وضمان العدالة من جهة أخرى. وبين هذين الحدين تتحدد مصداقية القانون حين يلتقي بالسياسة في أكثر ملفاتها حساسية.

