وسط هدير القصف وتوالي مشاهد الدمار في قطاع غزة، تتوارى أزمة إنسانية صامتة تطال واحدة من أكثر الفئات هشاشة: الصم وضعاف السمع، الذين يواجهون الحرب دون إنذار، ودون أدوات حماية أو تواصل كافية، مع تراجع الخدمات وغياب الاستجابة المتخصصة.
في هذا السياق، يسلّط مترجم ومدرب لغة الإشارة، الأستاذ فضل كراز، الضوء على واقع هذه الفئة، كاشفًا عن تحديات صحية وتعليمية واجتماعية مركّبة، تفاقمت حدتها مع استمرار الحرب والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية.
ويؤكد كراز أن الصم في قطاع غزة يعيشون واحدة من أقسى صور المعاناة، في وقت تتزايد فيه أعداد المصابين بفقدان السمع نتيجة القصف والانفجارات، مقابل تراجع حاد في الخدمات الصحية والتأهيلية.
طالع التفاصيل: بين مطرقة الحرب وسندان "الإقصاء".. ذوو الإعاقة بغزة خارج "حسابات التشغيل"
ويوضح، لصحيفة "فلسطين"، أن غياب وسائل التواصل المناسبة، وضعف الوعي المجتمعي بلغة الإشارة، وحرمان الأطفال من التدخل المبكر والتعليم، تدفع بهذه الفئة نحو مزيد من العزلة والخطر، خاصة خلال القصف، حيث لا تصل إليهم التحذيرات الصوتية.
أزمة صامتة تتفاقم
ويشير كراز إلى أن الحرب لم تخلّف دمارًا ماديًا وخسائر بشرية فحسب، بل أفرزت أيضًا أعدادًا متزايدة من فاقدي السمع، نتيجة شدة الانفجارات وموجات الضغط التي قد تتسبب بتلف دائم في الأذن الداخلية أو العصب السمعي، حتى دون وجود إصابات ظاهرة.
ويحذر من أن هذا الواقع ينذر بظهور جيل جديد من الأطفال الذين سيعانون من إعاقات سمعية طويلة الأمد.
مترجم ومدرب لغة الإشارة الأستاذ فضل كراز
ويضيف أن الأزمة تتفاقم بفعل الانهيار شبه الكامل في القطاع الصحي، حيث أصبحت الأجهزة الطبية المتخصصة، مثل السماعات وعمليات زراعة القوقعة، شبه غير متوفرة، إلى جانب نقص حاد في كوادر وإمكانات مراكز التأهيل السمعي والنطقي، ما يحرم الأطفال من فرص التدخل المبكر، ويؤثر سلبًا على تطورهم اللغوي والإدراكي.
عزلة اجتماعية وتعليم مفقود
وعلى الصعيد الاجتماعي، يلفت كراز إلى أن كثيرًا من الأسر تفتقر إلى معرفة لغة الإشارة، إضافة إلى محدودية خدمات الترجمة، ما يؤدي إلى عزلة الصم داخل أسرهم ومجتمعهم، خاصة في ظل انشغال العائلات بتأمين الاحتياجات الأساسية خلال النزوح.
أما في قطاع التعليم، فيواجه الأطفال الصم صعوبات كبيرة في الالتحاق بالتعليم أو الاستمرار فيه، نتيجة تدمير المدارس وتحويلها إلى مراكز إيواء، إلى جانب غياب برامج التعليم الدامج، ما يحرمهم من حقهم الأساسي في التعلم.
ويحذر كراز من خطورة الوضع خلال الغارات، إذ لا يستطيع الصم سماع صفارات الإنذار أو التعليمات التحذيرية، ما يجعلهم أكثر عرضة للخطر، حيث يعتمدون على الإشارات البصرية أو على وجود أشخاص سامعين لتنبيههم، وهو ما لا يتوفر دائمًا في ظل الفوضى المستمرة.
طالع المزيد: آلاف ذوي الإعاقة في غزة يفقدون أدواتهم المساعدة… عزلة متفاقمة وحقوق معلّقة
وفي مراكز الإيواء والخيام، تتفاقم المعاناة، في ظل غياب أدوات التواصل والخدمات النفسية والبرامج التعليمية، ما يزيد من احتمالات العزلة والاضطرابات النفسية، لا سيما لدى الأطفال.
وفي ختام حديثه، شدد كراز على ضرورة التحرك العاجل لدعم هذه الفئة، عبر توفير الخدمات الطبية والتأهيلية، وتعزيز التعليم الدامج، ونشر الوعي بلغة الإشارة، إضافة إلى إدماج الصم في خطط الطوارئ والاستجابة الإنسانية، لضمان وصول المعلومات إليهم بشكل آمن وواضح.
وأكد أن تمكين الصم ليس مجرد واجب إنساني، بل حق أساسي يجب صونه، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة.