قائمة الموقع

فاطمة... نجت من المجزرة وعلِقت في غياب زوجها الأسير

2026-04-17T17:32:00+03:00
فاطمة... نجت من المجزرة وعلِقت في غياب زوجها الأسير
فلسطين أون لاين

كانت فاطمة حرارة تحاول أن تفهم معنى النجاة من مجزرة جماعية في بداية حرب الإبادة على غزة، لكنها سقطت في نفقٍ آخر أكثر عتمة: القلق على مصير زوجها الممرض، الذي نجا معها… ثم اختفى داخل مستشفى الشفاء بعد اقتحامه.

تضع فاطمة رأسها المثقل بالجراح إلى جانب طفليها… وحتى في نومها، لا تغيب عنها السيناريوهات التي حاصرتها في طريقها الطويل. جاءها نبأ أسره من أصدقائه، وفي الوقت نفسه نبأ استشهاده من شخص آخر لتدخل تحت وطأة الألم "عدة الأرملة"، ثم تتلقى اتصالا يغير صورة المشهد.

بدأت حكاية المعاناة التي حلت بفاطمة في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023. تستعيد السيدة شريط الأحداث في حديثها مع صحيفة "فلسطين": الساعة 05:55 ووسط ضحكات تعلو على مائدة الغداء المتأخرة… فجأة، بدون سابق إنذار، أصبحت الدنيا ظلامًا، والحجارة تنهال علينا من كل حدب وصوب.

"اختنقنا. لم نعد نتنفس. الركام غمرنا. لم نعد نرى ولا نسمع سوى: أشهد أن لا إله إلا الله. وكأن صوت رجل واحد بمائة شخص… يا له من شعور"، تصف فاطمة هول المشهد.

دقيقة واحدة، واختفت كل الأصوات ومعها أحلام وحياة الكثيرين. تركت فراغًا لعائلات بأكملها مُسحت. 14 شقة كانت تضم نازحين بأعداد كبيرة. 100 شهيد على الأقل ارتقوا.

بعد صمت لوهلة، تتابع: بقينا نحاول حتى خرجنا من تحت الركام. وهنا الصاعقة… عندما هدأ الغبار، لم نرَ حولنا سوى الجثث… الأرجل، الأيدي، الرؤوس المعلقة… أطفال بنصف جسد، نساء لم يبقَ منهن إلا العظام وشعر الرأس.

التفتت فاطمة يمينًا وشمالًا لتبحث عن مخرج، وزوجها يلتفت يمينًا ويسارًا ليبحث عن أحد ينقذه. أمانته العلمية وإنسانيته لم تغب رغم ما هو فيه.

بعد قليل سمعوا صوت الناس: "في حدا؟ في حدا عايش؟" يبحثون عن بصيص أمل… عن أي ناجٍ.

نظرت فاطمة إلى نفسها، وجدت أنها بحاجة إلى رداء يستر جسدها المتهالك، وشعرها الذي لم تعد له معالم. جلست تبكي، وابتعدت عن المخرج الذي وجدته بقدرة إلهية، ودعت: "اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك".

ظلت ترددها إيمانًا منها بالله أنه لن يخيبها. تقول: شيء لا يصدق، جلباب أركنته منذ زمن، لم ألبسه، وجدته أمامي، وبجواره الشالة التي ستغطي رأسي.

ما إن سترت جسدها، وإذا بصوت ينادي: "يخو ساعدني… ساعد بناتي". التفت زوجها، فإذا بها امرأة وابنتاها فوق ثلاجة بيته، يغمرهن الركام. هرع لينقذهم.

وجدهم مبتوري الأطراف، ينزفون الدم من كل مكان. أخرجهم أحياء، ولكن بسبب سياسة الاحتلال في قصف الإسعافات، تأخر الإسعاف… فلحقوا بالركب. عاد لزوجته هائمًا على وجهه.

بعد تمكنها من الخروج من تحت الأنقاض، وجدت فاطمة وزوجها ما يبدو كجبل كبير من الردم لا يريان ما بعده، وهم يسمعون الناس ينادون: هل من أحد هنا؟ وعندما شاهدا الناس والأطفال تذكرت أن لهما طفلين.

جثا زوجها على ركبتيه يبكي كالأطفال، وباتت هي تبحث بين الجثث، والناس يقولون لها: "العوض بسلامتكم… لحتى الآن ولا طفل نقلناه عايش".

بكت فاطمة حتى جفت دموعها. أرادت أن ترى جثماني طفليها. نقلها الإسعاف وهي مصابة تنزف من رأسها، بينما يصبر زوجها قلبها: "لا تبكي… احتسبيهما في سبيل الله وابتغاء مرضاته".

غلبها وجع الفقد. قالت له: أما رأيت كيف تعبت في حملهما وميلادهما وتربيتهما؟

وصلوا إلى مستشفى الشفاء. بعد ساعات من البحث بين جثث الأطفال، وجدت طفلًا بعمر 11 عاما يجري ويقفز من شدة الألم. لم تره جيدًا بسبب الازدحام، لكنها تعرفت إليه من بقايا ملابسه.

طفلا فاطمة يطالعان صورة والدهما الغائب منذ سنوات في سجون الاحتلال

"طفلي! أهذا طفلي؟ أين ملابسه؟"، تساءلت فاطمة. هرولت إليه مع زوجها، وكذلك فعل هو. "ماما! بابا! انتوا عايشين؟ فكرتكو استشهدتو بالدار"، قال لهما الطفل بصدمة.

جسده التهمته النيران، والتهمت ملابسه. لم يبقَ سوى ما يستره. لم يستطع الوقوف، ولم تستطع احتضانه لهول ما هو فيه.

كاد الصباح أن يتنفس، ولم تجد طفلتها ذات الأعوام التسعة، والمشفى يملأ صراخ طفلها من الألم. لم تكن تعلم ما عاناه حتى وصل لهذه الحالة. التفّت حول رقبته أسلاك الشارع، وهبت فيه النيران، وانهال الركام فوق "حماية النافذة" التي حاصرته. رأته أخته وأرشدت الناس عليه وهي تغرق بدمائها: "اتركوني… وأنقذوا أخي".

أنقذوه وأنقذوها… لكن والدتها لم تجدها بعد.

بعد ساعات من اليأس، سمعت بكاء طفلة صغيرة. اتجهت نحوها. وجدت طفلة مصابة يلفها الشاش الأبيض، وإحداهن تغسل لها وجهها من بقايا غبار الصاروخ الإسرائيلي.

لم تتعرف إليها… شوهت الشظايا وجهها، وملابسها ممزقة، لكن قلب الأم جعلها تحتضنها وتتعرف إلى قلبها الصغير. تبكي وتقول: "ماما… أنقذت أخي".

شهيد أم أسير؟

بعد أسبوع من الاعتناء بطفليه، وإرشاد زوجته لكيفية التغيير على الجروح والحروق، استودعهم الله، وقال لها: "واجبي يناديني… ما بقدر أشوف حد محتاجني وأظل قاعد".

ناشدته ألا يذهب، وحاصرتها تفاصيل المجزرة، لكنه رد عليها بأنه يريد العمل حتى تنطفئ نار الحرب.

تقول فاطمة: تركنا، وذهب لمن هم بحاجة إليه أكثر منا. لم يكن معي وسيلة اتصال ولا معه. فُقدت مع باقي مقتنياتنا في البيت. تجرعت مرارة غيابه أربعة أشهر، لم أره فيها سوى بضع أيام. كنت أذهب للمشفى لرؤيته. ثم هأنذا أتجرع مرارة فقده أيامًا وشهورًا وسنين.

يوما، كانت فاطمة تهم بالذهاب إلى المستشفى لتهدي زوجها هاتفا يطمئنان من خلاله على بعضهما. استيقظت مفزوعة من حلم فسرته بأنه هم قادم.

تقول: بالفعل حاصر الاحتلال مشفى الشفاء. اتصلت بأصدقائه، سألتهم ماذا حصل؟ قال لي صديقه نحن محاصرون. تحدثت مع زوجي لأقل من دقيقة لم يقل لي سوى أنتم في ودائع الله، وفي اليوم التالي أيضا اتصلت بزميله قال لي أخرجوا الناس وأبقوا الكادر الطبي في الداخل.

في اليوم الثالث انقطعت الاتصالات. اجتاح الخوف والقلق قلبها. مر على حصار الشفاء شهر وهي على هذه الحال.

بحثت عنه في كل مكان. بين الجثث، نبشت الأرض عليه، لم تجده. أخبرها أصدقاؤه بأنه أسير. وكان قد أعطى زميلته الممرضة رقم هاتفها لتبلغها، لكنها تأخرت. كانت الفاجعة عندما جاءها أحدهم وأقسم لها أنه رآه يعدم بالرصاص أمام عينيه.

هنا كانت الصاعقة التي وقعت في قلبها. تقول: عدة الشهيد أربعة أشهر وعشرة أيام، لكني بقيت في عدة سنة كاملة. كان غيابي عن الحياة والمشاعر والناس أكثر من حضوري.

بعد سنة من الفقد، اتصل بها محام من مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان. أبلغها أن زوجها لؤي بخير وصحة جيدة ويطمئنهم على نفسه ويريد الاطمئنان عليهم.

قالت له: "احكيله ما ياكل همنا.. احنا بخير.. كلنا بخير. رغم أننا لم نكن كذلك.. لكنه لا ينقصه الألم بل ينقصه الأمل".

خرجت فاطمة من عزلتها التي كانت ستخنقها طوال العمر لو لم تعثر على زوجها حيا.

عانت ويلات النزوح القسري في شمال قطاع غزة والتجويع، رافضة النزوح جنوبا. لم تحصل على رغيف خبز لأيام. باتت في أماكن لا تعرفها أملا بالنجاة.

تقول فاطمة: الحرب إعلاميًا انتهت… لكنها واقعيا لم تنتهِ. أنا اليوم زوجة أسير. أعيش أنا وطفلاي الويلات بلا مأوى، بلا دخل مادي، بلا سند يطبطب على أكتافنا. أمشي وحدي طريقي. وهذا الألم كله لا يساوي شيئًا أمام ألم زوجي في السجن ومعاناته.

ويعتصرها الوجع على ما تكتمه في نفسها: لا أعرف كيف سأخبره بما حصل لعائلته. استشهاد ثلة منها، وإصابة الآخرين، وفقدان منازلهم. كيف سيرى مدينته الجميلة ركامًا؟ هل سيتسع قلبه لكل هذا؟

وفي كفاحها للحظة حريته المنشودة، انضمت فاطمة لفريق "نبراس الوفا" المعني بالأسرى، وباتت منسقة إغاثية وإعلامية فيه، كما انشأت مدونة باسم الفريق لنشر قصص محررين وأهالي.

في خضم هذا الضجيج والركام، تقف فاطمة كل ليلة على أطلال بيت لم يعد موجودًا، وتحاول أن تجمع قلبها المبعثر كما كانت شظايا الزجاج متناثرة في زواياه. لم يعد يؤلمها فقد الجدران، ولا ضياع الأثاث الذي تعبت في ترتيبه… ما يؤلمها حقًا هو ذلك الفراغ الذي تركه غيابه في صدرها.

كل ليلة تضم طفليها وتتخيل لو أنه هنا، لو رأى كيف كبرا بالألم، وكيف صارت عيونهما أعمق من عمرهما.

تخاطبه كما لو كان يسمعها: زوجي… رفيق دربي، سندي الذي كان يربّت على قلبي كلما انكسر، اليوم أنا من أحاول أن أكون السند لطفلينا، وأنا بالكاد أقف. أشتاق لصوتك، لكلمتك حين تقول: "لا تبكي… احتسبي"، أشتاق لوجودك بجانبي… لا أن نعيش هذا الألم، كلٌ في معركته وحده.

اخبار ذات صلة