قائمة الموقع

حرب التمويل على غزة... سياسة ممنهجة وهندسة لتجويع السكان

2026-04-17T16:21:00+03:00
صورة تعبيرية طورت عبر "الذكاء الاصطناعي"
فلسطين أون لاين

في خطوة مُستهجنة ومُستغربة، ذهبت 16 دولة مانحة إلى الاستجابة للضغوطات الإسرائيلية والأمريكية للمشاركة في تضييق الخناق على قطاع غزة، من خلال وقف تمويلها أو تقليص أموالها المقدمة للمنظمات الدولية والإغاثية العاملة في القطاع أبرزها وكالة "أونروا"، وهو ما يُعرف بسياسة "هندسة التجويع".

وتأتي هذه الخطوة في وقت بالغ الحساسية، إذ يعاني القطاع تدهورا حادا في الأمن الغذائي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إلى جانب انهيار قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، ما يجعل هذه الخطوة ذات آثار مضاعفة على مختلف مناحي الحياة.

وكانت 16 دولة مانحة اتخذت قرارات مباشرة بوقف أو تقليص تمويل مؤسسات إغاثية تساند الشعب الفلسطيني على أسس إنسانية، وعلى رأسها وكالة "أونروا"، وقد أسهمت تلك القرارات في خنق عمليات الإغاثة المفروضة على شعبنا تحت الإبادة الإسرائيلية في غزة والتطهير العرقي في القدس وباقي أنحاء الضفة الغربية المحتلة.

واستندت قرارات تلك الدول إلى ادعاءات مفبركة روّجتها دولة الاحتلال مطلع 2024، إذ سحبت مئات الملايين من منظومة إنسانية مخصصة لإنقاذ حياة الانسان وحمايتها. وقد تقلّصت الميزانية التشغيلية لوكالة "أونروا" في تشرين الأول 2023، ما جعلها تفقد أكثر من 40% من القدرة على الاستجابة الطارئة.

يقول الخبير في شؤون الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، عبد الحميد صيام، إن 16 دولة استجابت في وقت سابق للدعوة الإسرائيلية بمقاطعة تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، على خلفية اتهامات بأن بعض موظفيها مرتبطون بمنظمات مسلحة.

وأوضح صيام لصحيفة "فلسطين"، أن هذه الاتهامات لم تثبت صحتها بعد التحقيقات، حيث تبيّن أن "الأونروا" مؤسسة مهنية لا تنحاز سياسياً ولا تقوم بأي دور تحريضي، باستثناء حالات فردية محدودة. وعلى إثر ذلك، عادت عدة دول لاستئناف تمويلها، باستثناء الولايات المتحدة التي كانت قد أوقفت تمويلها منذ عهد الرئيس جو بايدن، حتى قبل إثارة هذه الاتهامات.

وأشار إلى أن بعض الدول، مثل سويسرا وهولندا، خفّضت أو أوقفت مساهماتها، في حين دخلت دول أخرى على خط التمويل مثل الصين والهند وروسيا والعراق، إلا أن ذلك لم يعوض الفجوة الكبيرة التي خلّفها الانسحاب الأمريكي.

وبيّن صيام أن تمويل المنظمات الإنسانية الأخرى، مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف، منفصل عن "الأونروا"، إلا أن الوكالة تبقى الجهة الأساسية المرتبطة مباشرة بقطاع غزة، ما يجعلها الأكثر تأثرًا بالأزمة المالية.

ولفت إلى أن نقص التمويل أجبر "الأونروا" على اتخاذ إجراءات تقشفية، شملت تقليص ساعات العمل بنسبة 20%، وخفض الرواتب بالنسبة ذاتها، إضافة إلى الاستغناء عن نحو 650 موظفًا، ما انعكس سلبًا على مستوى الخدمات المقدمة للاجئين.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة وبعض الدول استجابت للضغوط الإسرائيلية في هذا السياق، في إطار سياسة تهدف إلى إنهاء دور "الأونروا" وتحويل ملف اللاجئين الفلسطينيين إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بما يؤدي إلى تفكيك القضية الجماعية وتحويلها إلى حالات فردية.

وأضاف أن أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظمات الإنسانية يتمثل في اعتمادها على التمويل الطوعي، في ظل غياب نصوص ملزمة في ميثاق الأمم المتحدة تفرض تمويلًا ثابتًا، وهو ما يجعلها عرضة للتقلبات السياسية.

وأوضح أن تراجع التمويل ينعكس مباشرة على حياة الفلسطينيين، من خلال تقليص البرامج والمساعدات، بما يشمل الدعم المالي والإسكان وفرص العمل، ما يؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية.

وختم بالقول إن بعض الدول العربية قادرة على سد جزء من فجوة التمويل، إلا أن مساهماتها لا تزال محدودة، رغم تقديم دول مثل قطر والسعودية والإمارات والكويت دعمًا جزئيًا، لا يرقى إلى مستوى الاحتياجات الفعلية.

حرب التمويل

من جانبه، اعتبر عضو الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، محسن أبو رمضان، أن ما يجري هو "حرب متعددة المستويات" تستهدف الشعب الفلسطيني، من بينها "حرب التمويل" التي بدأت مع استهداف "الأونروا" وامتدت إلى مجمل المنظمات الإغاثية الدولية.

وأوضح أبو رمضان لـ"فلسطين"، أن (إسرائيل) صنّفت "الأونروا" كمنظمة إرهابية عبر تشريعات الكنيست، وعملت على تجفيف مواردها المالية، قبل أن تفرض آليات رقابية جديدة، من بينها منظومة (CMCC) التي تُدار بإشراف أمريكي–إسرائيلي من موقع قرب قطاع غزة.

وبيّن أن هذه الآلية تفرض شروطًا مشددة على المنظمات، مثل مشاركة أسماء الموظفين والتسجيل لدى جهات إسرائيلية، وهو ما رفضه ائتلاف المنظمات الدولية غير الحكومية (AIDA)، نظرًا لما يشكله من مخاطر أمنية على العاملين في المجال الإنساني.

وأشار إلى أن رفض هذه الشروط دفع (إسرائيل) إلى تقييد عمل العديد من المنظمات، ومنع بعضها، مثل منظمة "أطباء بلا حدود"، ما دفع ائتلاف "أيدا" إلى تقديم التماس للمحكمة العليا الإسرائيلية، التي جمدت مؤقتًا هذه القيود.

وأضاف أنه في حال تثبيت هذه الإجراءات، فإن المنظمات ستلجأ إلى محكمة العدل الدولية، في محاولة لوقف ما وصفه بـ"تسييس العمل الإنساني وأمننته"، أي إخضاعه لاعتبارات أمنية على حساب البعد الإغاثي.

وأكد أبو رمضان أن هذه السياسات ستؤدي إلى تقليص الموارد المالية للمنظمات العاملة في غزة، في وقت يعتمد فيه القطاع بشكل شبه كامل على المساعدات الخارجية في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

وأشار إلى أن بعض الدول، مثل إسبانيا، رفضت الانخراط في هذه الآلية واعتبرت السياسات الإسرائيلية ترقى إلى جرائم حرب، وهو موقف – بحسب أبو رمضان – يعكس رفضًا للشروط الأمريكية والإسرائيلية التي تهدد سلامة العاملين في المجال الإنساني.

ولفت إلى أن الكشف عن بيانات الموظفين قد يعرّضهم للاستهداف، خاصة في ظل استشهاد أعداد كبيرة من العاملين في المجال الإغاثي، إضافة إلى استخدام هذه البيانات لأغراض تصنيف سياسي تعسفي.

وأوضح أن القيود المفروضة على التمويل تزامنت مع ضعف الموارد المخصصة لإعادة إعمار غزة، حيث تشير التقديرات إلى عجز كبير في الصناديق المخصصة لذلك، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات والمستلزمات الأساسية.

كما أشار إلى أن الاستهداف لا يقتصر على المنظمات الإغاثية، بل يشمل أيضًا منظمات حقوق الإنسان، مثل "الضمير" و"الميزان" و"المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" و"الحق"، التي تعرضت للحظر ووقف التمويل، ما أدى إلى إغلاق حساباتها وملاحقتها ماليًا.

وختم أبو رمضان بالتأكيد أن هذه السياسات تمثل شكلًا من أشكال "الحرب غير المباشرة"، تهدف إلى تقويض العمل الإنساني، وإبقاء قطاع غزة في حالة فقر وبطالة مرتفعة، وعلى حافة المجاعة، بما يجعله بيئة طاردة للحياة.

 

اخبار ذات صلة