في مشهد يتكرر يوميًا في العديد من مناطق النزوح بمدينة غزة، تتكدس أكوام النفايات بالقرب من خيام النازحين، لا سيما في المواقع البعيدة عن الشوارع الرئيسة، إذ تعجز طواقم بلدية غزة عن الوصول إليها.
ولا تعكس هذه الظاهرة تدهور الخدمات الأساسية فحسب، بل تنذر بكارثة صحية وبيئية تهدد حياة آلاف العائلات التي اضطرت للعيش في ظروف قاسية، وسط غياب حلول عاجلة.
في أطراف مناطق النزوح، حيث تنتشر الخيام بين الركام والأراضي غير المعبدة، تتحول المساحات الفارغة إلى مكبات عشوائية، إذ يضطر السكان إلى التخلص من مخلفاتهم المنزلية في أقرب نقطة ممكنة، لعدم توفر حاويات كافية أو خدمات جمع منتظمة، ما يؤدي إلى تراكم النفايات بشكل يومي.
وتشمل هذه النفايات بقايا الطعام والبلاستيك ومخلفات أخرى، سرعان ما تتحلل تحت أشعة الشمس، مطلقة روائح كريهة تجذب الحشرات والقوارض، ومع مرور الوقت تتحول هذه المواقع إلى بؤر لتكاثر الفئران والجرذان، التي تجد فيها بيئة مثالية للغذاء والمأوى.
مخاطر صحية
يؤكد مختصون أن تراكم النفايات بالقرب من التجمعات السكنية يشكل خطرًا مباشرًا على الصحة العامة، إذ تنقل الحشرات، مثل الذباب والبعوض، الأمراض، فيما تسهم القوارض في انتشار أمراض خطيرة، كالتسمم الغذائي والتهابات الجهاز الهضمي.
كما يُعد الأطفال، الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان المخيمات، الأكثر عرضة لهذه المخاطر، نظرًا لقرب أماكن لعبهم من مكبات النفايات.
يقول صقر الغف، وهو نازح يقيم في مخيم داخل إحدى المدارس الحكومية بحي تل الهوا: "نعيش وسط النفايات، ولا نستطيع التخلص منها لأن سيارات البلدية لا تصل إلينا. الرائحة لا تُطاق، والأطفال يمرضون باستمرار. ابني أصيب بإسهال شديد أكثر من مرة، ولا نعرف ماذا نفعل".
ويضيف لصحيفة "فلسطين": "نضطر لرمي النفايات بجوار المخيم، قرب بوابة المدرسة، لعدم وجود مكان مخصص، وما إن يبدأ أحد بإلقائها حتى يتبعه الآخرون، لتتحول المنطقة إلى بؤرة للأمراض والحشرات".
ويلفت إلى غياب الاهتمام من الجهات الحكومية أو الدولية برفع النفايات من هذه المناطق، كونها بعيدة عن الشوارع الرئيسية ومسارات عربات الجمع.
أما أبو أحمد الجمّال، وهو أب لخمسة أطفال، فيصف الوضع قائلًا: "نلجأ أحيانًا إلى حرق النفايات للتخلص منها، لكن الدخان يخنقنا ويؤذي الأطفال. نحن أمام خيارين قاسيين: إما الروائح والقوارض، أو الدخان والأمراض".
ويضيف: "أصبحت هذه الأماكن مرتعًا للفئران التي تتغذى على مخلفات الطعام، ثم تهاجم خيامنا وأطفالنا، لنواجه خطرين في آنٍ واحد: النفايات وما تجلبه من قوارض".
ولا تقتصر آثار الأزمة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى البيئة المحيطة، إذ تؤدي النفايات المتراكمة إلى تلوث التربة، وقد تتسرب بعض المواد الضارة إلى المياه الجوفية، خاصة في ظل غياب أنظمة صرف صحي سليمة.
كما يسهم حرق النفايات، الذي يلجأ إليه بعض السكان، في تلوث الهواء وإطلاق مواد سامة قد تسبب أمراضًا تنفسية مزمنة، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن.
تعود هذه المشكلة إلى عدة عوامل، أبرزها تدمير البنية التحتية خلال الحرب، بما في ذلك الطرق التي تربط المناطق النائية بالشوارع الرئيسية، ما يصعّب وصول آليات البلدية.
كما أن النقص الحاد في الوقود والمعدات يحدّ من قدرة البلديات على تقديم خدماتها، إلى جانب الضغط المتزايد الناتج عن تكدس أعداد كبيرة من النازحين في مناطق محدودة.
رد بلدية غزة
وفي ردّه على الأزمة، أوضح الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن تراكم النفايات في المخيمات والمناطق الداخلية يعود إلى أسباب مركبة، في مقدمتها النقص الحاد في الآليات والمعدات، بعد تدمير نحو 135 مركبة وآلية تابعة للبلدية، ما أفقدها جزءًا كبيرًا من قدرتها التشغيلية، خاصة في جمع النفايات الأولي.
وأضاف، لـ"فلسطين"، أن أزمة الوقود تشكل عائقًا إضافيًا، إذ تعاني البلدية من شح كبير في الكميات اللازمة لتشغيل ما تبقى من الآليات، ما يحدّ من تنفيذ جولات جمع منتظمة.
وأشار إلى أن منع الاحتلال طواقم البلدية من الوصول إلى مكب جحر الديك، وهو المكب الرئيسي شرق مدينة غزة، منذ بداية الحرب، أدى إلى تعطّل عملية ترحيل النفايات بشكل شبه كامل، ما اضطر البلدية إلى إنشاء مكب مؤقت في أرض سوق فراس التاريخي، الأمر الذي فاقم الأزمة بعد تكدس نحو 350 ألف طن من النفايات داخله.
كما يعيق تراكم كميات هائلة من الركام والأنقاض، تُقدّر بنحو 25 مليون طن في مدينة غزة وحدها، وصول الطواقم إلى العديد من المخيمات والتجمعات السكنية.
ورغم هذه التحديات، يؤكد مهنا أن البلدية تبذل جهودًا للتخفيف من حدة الأزمة، من خلال استئجار آليات من القطاع الخاص وتشغيل عمال ضمن برامج طارئة، بهدف تحسين خدمات جمع النفايات.
غير أن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم الكارثة، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا لتوفير الإمكانيات اللازمة ودعم عمل البلديات بشكل مستدام.
وفي ظل استمرار الأوضاع الصعبة، تظل أزمة النفايات واحدة من أبرز التحديات التي تواجه النازحين في قطاع غزة، حيث تتقاطع المعاناة الإنسانية مع المخاطر الصحية والبيئية، فيما يبقى الحل الشامل مرهونًا بتوفير الدعم والإمكانات اللازمة لضمان بيئة آمنة تحفظ كرامة الإنسان وحقه في العيش بظروف لائقة.