{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثبِتوكَ أو يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} الأنفال30
يوم الأسير الفلسطيني: ملحمة غزة المستمرة
في زنازين الاحتلال، يقبع أكثر من 9,500 أسيرًا فلسطينيًا موزعين على 23 سجنًا ومركز تحقيق، كأنها قلاع مظلمة تحاول أن تحجب نور الحرية. بينهم نحو 79 أسيرة تحملن وجع القيد، وأكثر من 350 طفلًا حُرموا من طفولتهم ليُسجنوا في عمر الزهور. أما المعتقلون الإداريون، الذين يُحتجزون بلا محاكمة، فقد تجاوز عددهم 3,400 أسيرًا، ليكونوا شاهدًا حيًا على خرق الاحتلال لكل القوانين الدولية. ومن غزة وحدها، هناك أكثر من 1,200 معتقل صُنّفوا تعسفًا تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين"، في محاولة لشرعنة القيد وتطويل زمن الأسر بلا نهاية. ومنذ الحرب الأخيرة، ارتفع عدد المعتقلين بنسبة 83%، كأن الاحتلال يريد أن يحوّل كل بيت فلسطيني إلى سجن، وكل شارع إلى زنزانة.
لكن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي ملاحم مكتوبة بالدم والصبر. كل أسير هو قصة مقاومة، كل امرأة خلف القضبان هي راية، وكل طفل معتقل هو نبوءة بأن الحرية قادمة. إنهم ليسوا أعدادًا في جداول، بل نجومًا في سماء فلسطين، يضيئون رغم العتمة، ويعلنون أن الحرية لا تموت.
الأسر الفلسطيني ليس وليد اللحظة، بل هو ملحمة ممتدة منذ الاحتلال الإنجليزي قبل أكثر من مئة عام، حين أُعدم جمجوم وحجازي والزير، لتُكتب أولى صفحات البطولة. ومنذ ذلك الحين، تفوّق الفلسطيني في سنوات أسره على نيلسون مانديلا بأكثر من أربعين عامًا، ليصبح الأسر الفلسطيني أطول تجربة نضالية في التاريخ الحديث.
في قلب الظلام، حيث تتكالب القيود وتعلو الأسلاك الشائكة، ينهض الأسرى كنجومٍ لا تنطفئ. بأمعائهم الخاوية وإضراباتهم البطولية، قلبوا السجون إلى ساحات نضال، وأثبتوا أن الحديد يصدأ أمام الإرادة، وأن القيد ينهار أمام العزم. لقد حاول الاحتلال أن يمحوهم من الذاكرة، بالإهمال الطبي، بالعزل الانفرادي، وبالتصفيات الميدانية، لكنه فشل. فكل أسير هو راية، وكل جرح هو شهادة، وكل صرخة هي قصيدة تُدوّن في سفر المقاومة.
صفقات التبادل الكبرى، مثل صفقة وفاء الأحرار، لم تكن مجرد أرقام، بل لحظات تاريخية جسّدت أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وأن الشعب الذي يقدّم روحه قربانًا للوطن لا يمكن أن يُهزم. وحماس، ومعها كل الفصائل، جعلت قضية الأسرى قلب المعركة، لتبقى الحرية وعدًا لا ينكسر.
إن قضية الأسرى ليست مجرد ملف سياسي أو إنساني، بل هي واجب شرعي ووطني يفرضه الدين والهوية والكرامة. فمن الناحية الشرعية، نصرة الأسير واجبٌ عظيم، إذ قال النبي ﷺ: "فكّوا العاني" أي الأسير، وجعل الإسلام تحريره من أعظم القربات. ويقول الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:72]، لتكون نصرتهم فرضًا لا يسقط.
أما من الناحية الوطنية، فإن الأسرى هم قلب فلسطين النابض، هم الذين قدّموا أعمارهم قرابين للحرية، وحوّلوا السجون إلى مدارس للوعي ومصانع للثورة. دعمهم واجب على كل بيت فلسطيني وعربي، سواء عبر الحراك الشعبي، أو الضغط السياسي، أو المساندة الإعلامية والحقوقية.
إن الواجب الشرعي والوطني يلتقيان في نقطة واحدة: العمل الدائم من أجل تحرير الأسرى، وتثبيت قضيتهم في الوعي الجمعي، حتى تبقى حيّة في الضمير، وحتى يظل صوتهم صرخةً مدويةً في وجه الظلم، إلى أن يتحقق وعد الله بالحرية والنصر.
لقد جسّد الأسرى المعنى والقيمة لإرادة أسطورية لم يهزمها قهر السجان، وبشّروا بقرب التحرير، كما قال تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:5-6].
الأسرى هم المرآة التي تعكس وجه فلسطين المقاوم، وهم الجسر الذي يربط الأرض بالكرامة. تحريرهم هو تحرير الوطن، وعودتهم هي عودة الفجر بعد ليلٍ طويل. فالحرية لا تموت، والملحمة مستمرة، وغزة تكتب بدمها وأسرارها أعظم فصول البطولة.

