خلف ماكينة الخياطة، يجلس إيهاب أحمد ساق الله (46 عامًا)، محاولًا التقاط تفاصيل القماش بعينٍ لم تعد تسعفه كما ينبغي. يقرّب القماش تارة ويُبعِده تارة أخرى، وكأن المسافة بينه وبين رزقه باتت مرهونة بقدرة بصره على الصمود في وجه العتمة.
منذ ولادته، يعاني إيهاب مشكلة وراثية في عينه اليسرى تمثلت في انحراف القرنية، وهي حالة رافقته طوال حياته، لكنها اليوم باتت أكثر قسوة، فلم تعد مجرد إزعاج بصري، بل تحوّلت إلى عائق حقيقي يهدد مصدر رزقه الوحيد: مهنة الخياطة.
يقول لصحيفة "فلسطين"، وهو يمرر يده على القماش بحذر: "من وأنا صغير بعاني من عيني… كنت أتحمّل، لكن اليوم الوضع صار أصعب بكثير".
لم يترك إيهاب بابًا إلا وطرقه بحثًا عن علاج؛ زار أطباء عيون، وجرب نظارات طبية وعدسات، لكن دون جدوى. ويضيف بأسى: "جربت كل شيء… نظارات وعدسات، لكن ما في نتيجة. حالتي تحتاج عملية دقيقة مش متوفرة في مستشفيات غزة".
والعملية التي يحتاجها ليست إجراءً بسيطًا، بل جراحة متقدمة تتطلب إمكانيات غير متوفرة داخل القطاع، ما يجعل السفر للعلاج ضرورة ملحّة لا خيارًا. غير أن هذه الخطوة، رغم بساطتها الظاهرية، تحوّلت إلى حلم مؤجل منذ سنوات.
وتنعكس معاناته بشكل مباشر على عمله؛ فمهنة الخياطة التي تعتمد على دقة النظر والتركيز، أصبحت عبئًا يوميًا. يغرز الإبرة بحذر، ويعيد النظر مرات عدة قبل إتمام خط واحد. ويقول: "الشغل بده نظر قوي… وأنا أحيانًا ما بشوف التفاصيل الصغيرة، وهذا بتعبني أكثر وبخليني أستغرق وقتًا أطول".
ورغم ذلك، لا يملك رفاهية التوقف، فهذه المهنة مصدر رزقه الوحيد وقوت أطفاله. يبتسم ابتسامة خفيفة تخفي قلقًا عميقًا، ويضيف: "هاي مهنتي… منها بعيش وبأكل أولادي، وما بقدر أتركها، حتى لو تعبت. ما تعلمت مهنة ثانية".
ولم تقف التحديات عند المرض والعمل؛ فقد أضافت الحرب عبئًا جديدًا، وأجّلت سفره للعلاج الذي كان ينتظره منذ سنوات. ثلاث سنوات وهو يترقب فرصة للخروج، وسط إجراءات معقدة وظروف تزداد قسوة.
ويتابع بنبرة يختلط فيها الأمل بالخوف: "كنت قريب أسافر… لكن الحرب أخرت كل شيء. صارلي ثلاث سنين بستنى، وكل يوم بقول يمكن بكرا".
ويزداد قلق إيهاب مع مرور الوقت، خاصة أنه يعاني أيضًا من مرضي السكري وارتفاع ضغط الدم، ما يجعله أكثر عرضة لمضاعفات قد تؤثر على بصره وحالته الصحية عمومًا. ويقول: "أنا مريض سكر وضغط… وبخاف يمر الوقت وتزيد حالتي سوء، أو تأثر الأمراض على عيني".
ورغم كل ذلك، يتمسّك بالأمل، ذلك الخيط الرفيع الذي يدفعه للاستمرار يومًا بعد يوم، والجلوس خلف ماكينة الخياطة متحديًا ضعف بصره وقسوة الظروف. ويختم حديثه: "نفسي بس أشوف منيح… أشتغل بدون تعب، وأعيش حياتي بشكل طبيعي.. ما ضلّ من العمر قد اللي راح".
بين خيطٍ وإبرة، ينسج إيهاب يومه بصبرٍ وألم، منتظرًا لحظة قد تغيّر كل شيء؛ لحظة السفر والعلاج، واستعادة القدرة على رؤية الحياة بوضوح. وحتى ذلك الحين، يبقى عالقًا بين واقع يرهقه، وحلمٍ يلوح في الأفق.

