لم يكن الأب يعلم أن لحظة الفرح التي عاشها مع طفله الصغير "يحيى" (3 أعوام)، وهو يحمله على كتفه عائدًا من حفل زفاف أحد أقاربه، ستكون الأخيرة، قبل أن يتحول كل شيء في ثوانٍ إلى مأتم دامٍ.
ففي طريق العودة، استهدفت طائرات الاحتلال مركبة مارة، ما أدى إلى استشهاد الطفل على الفور، وإصابة والده وأعمامه الثلاثة، أحدهم في حالة خطرة، في حين استشهد ثلاثة آخرون كانوا داخل المركبة المستهدفة.
في لحظة واحدة، فقد الأب طفله الوحيد. لم يقوَ حتى على توديعٍ أخير، إلا أنه أصرّ، بالرغم من إصابته، على البقاء إلى جانب جثمانه حتى يوارى في الثرى بيديه. رفض الذهاب لتلقي العلاج قبل أن يودع "يحيى"، فظل جرحه مفتوحًا حتى انتهت مراسم الدفن، حيث وُوري الطفل في قبر عمه الشهيد.
على سرير ثلاجة الموتى، كان الطفل مسجّى ساكنًا، مغطى بدمائه، وملابسه شاهدة على قصة فرح تحولت إلى عزاء، وعلى حكاية أبٍ فقد وحيده، وعلى واقعٍ يومي تنزف فيه غزة بلا توقف.
حمل الأب جثمان طفله نحو المقبرة، لكن هذه المرة لم يكن الحمل عاديًا، بل كان أثقل من أن تحتمله ذراعاه، مثقلًا بوجع الفقد وقسوة الرحيل.
من الفرح إلى العزاء
بين مشهد الأمس واليوم، تتبدل حياة مخلص الملاحي (33 عامًا) في لحظة. فبعد أن كان يجلس على مائدة فرح ابن عمه، وجد نفسه يجلس في عزاء طفله "يحيى"، وحيده من الذكور.
يروي الأب لـ "فلسطين أون لاين" تفاصيل اللحظات الأخيرة: "ذهبت إلى غداء فرح ابن عمي في صالة قرب مفترق الغفري، واصطحبت يحيى معي. بقي معنا حتى العصر، وكان من المفترض أن يعود مع والدته مساءً. قبل خروجي أصرّ على مرافقتي، تشبث بي وارتدى ملابسه، خاصة أنه بكى كثيرًا في الليلة السابقة لأنه لم يذهب معي".
وبسبب عدم توفر وسائل نقل، قرر الملاحي وإخوته وأبناء عمه العودة سيرًا إلى منزلهم في منطقة السدرة بحي الدرج. وأثناء مرور مركبة شرطية بجوارهم، وقع انفجار عنيف إثر استهدافها من طائرات الاحتلال، لتتناثر الشظايا وتندلع النيران، وتسقط العائلة أرضًا.
يقول الأب بصوت متقطع: "قال لي أخي: هات أحمل يحيى عنك… وما إن حمله ونزله عن كتفي حتى وقع الانفجار. أصبت بشظايا في رأسي وظهري ويدي. بعد لحظات أدركت ما حدث… نظرت إليه فوجدته شهيدًا، إصابته في رأسه كانت قاتلة".
ويضيف: "كنت مصابًا، وطلبوا مني الذهاب للعلاج قبل دفنه، لكنني رفضت. دفنته بيدي، ثم ذهبت وأنا بالكاد أستطيع الوقوف من شدة الألم".
جاء بعد انتظار طويل
لـ"يحيى" ثلاث شقيقات: لارا (10 أعوام)، لين (8 أعوام)، وسامية (5 أعوام). وقد جاء بعد عشر سنوات من انتظار والديه لمولود ذكر.
يقول والده: "سميته تيمّنًا بنبي الله زكريا، الذي رزقه الله بمولود في سن متقدمة. كان فرحتنا الكبيرة".
ولم تكن هذه المأساة الأولى التي تعيشها العائلة، إذ أصيبت شقيقته "لين" خلال النزوح في مخيم النصيرات، ولا تزال تعاني من آثار الإصابة حتى اليوم.
ويؤكد الأب أن الاستهداف كان متعمدًا: "المركبة كانت تحت المراقبة، وانتظر الاحتلال وصولها إلى مكان تجمعنا، ليوقع أكبر عدد من الشهداء".
تغلبه الدموع وهو يستحضر ملامح طفله: "كنت أحلم أن أراه يكبر، يتعلم، وأفرح به عريسًا… لكنه رحل. دفنته بجوار عمه".
ويختم بصوت مكسور: "بكى كثيرًا ليأتي معي… ذهبنا إلى فرح، فعاد معنا عزاء".
قصة "يحيى" ليست استثناءً، بل واحدة من مئات القصص التي تختصر واقع غزة، حيث يمكن أن ينقلب الفرح إلى فاجعة في لحظة، ويصبح الموت رفيقًا يوميًا لا يفارق الناس.