فلسطين أون لاين

تقرير تسييس المساعدات الطبية بغزة... "سلاح" الاحتلال لمحاصرة المرضى

...
الظلام يخيم على مشافي غزة جراء نقص الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل الأجهزة الطبية ومولدات الكهرباء
غزة/ نور الدين صالح:

في انتهاك واضح للمعايير والقوانين الدولية، تحوّلت المساعدات الطبية والغذائية في قطاع غزة إلى أداة ضغط سياسي وعقاب جماعي ضد السكان المدنيين، ضمن سياسة ممنهجة يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي عبر التحكم في المعابر الحدودية واستخدام سياسة "القطارة".

فمن حبة الدواء التي يُتحكم في دخولها، إلى منع الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل الأجهزة الطبية ومولدات الكهرباء، تتجلى سياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على تقييد الحياة اليومية للفلسطينيين، في خرق واضح للبروتوكول الإنساني الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في أكتوبر الماضي.

هذا التسييس للمساعدات لا يعكس فقط انتهاكًا قانونيًا، بل يكشف عن نهج يتجاوز الاعتبارات الإنسانية، إذ يُعاد تعريف الإغاثة كوسيلة تفاوض وأداة ابتزاز، بدلًا من كونها التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا تجاه المدنيين.

ومع استمرار القيود على المعابر وتعطيل دخول المستلزمات الحيوية، يتعمق الانهيار في القطاع الصحي، وتتسع دائرة المعاناة لتشمل المرضى والمصابين والنساء والأطفال، في وقت يُفترض فيه أن تُحترم التفاهمات الإنسانية وتُصان حياة البشر بعيدًا عن حسابات الصراع.

يقول الوكيل المساعد لقطاع الهندسة والإنشاءات والتجهيزات الطبية في وزارة الصحة، المهندس بسام الحمادين، إن المعاناة في القطاع الصحي بلغت مستويات غير مسبوقة، مؤكدًا أن السياسات المفروضة تؤثر بشكل مباشر وخطير على قدرة المنظومة الصحية على تقديم الخدمات الطبية، لا سيما للمرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات جراحية عاجلة.

وأوضح الحمادين لصحيفة "فلسطين"، أن المستلزمات والمعدات الأساسية، خصوصًا في جراحات العظام، تعاني من نقص حاد، في وقت خلّفت فيه الحرب آلاف المصابين الذين يحتاجون إلى عمليات معقدة، مشيرًا إلى غياب مواد أساسية مثل الصفائح والبراغي الطبية (البلاتين)، إلى جانب نقص الأدوية والمستلزمات الضرورية لمرضى الكلى وأقسام العناية المركزة.

6e93f6d5-c00e-43b5-903f-ef6d1465d072.jpg

الوكيل المساعد لقطاع الهندسة والإنشاءات والتجهيزات الطبية في وزارة الصحة، المهندس بسام الحمادين

وأضاف الحمادين أنه رغم دخول التهدئة حيّز التنفيذ، إلا أن الواقع يشير إلى استمرار ما وصفه بـ"حرب من نوع آخر" تستهدف المرضى بشكل مباشر، من خلال منع إدخال المساعدات الطبية، بما في ذلك تجهيزات تم شراؤها بالفعل وتنتظر الموافقة على إدخالها، سواء من الضفة الغربية أو من الأردن.

وبيّن أن الأزمة تفاقمت مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي، والاعتماد الكامل على المولدات التي تعمل على مدار الساعة، لافتًا إلى أزمة حادة في الوقود سابقًا، تفاقمت حاليًا مع نفاد زيوت المولدات.

وكشف أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قامت بشراء نحو 17 ألف لتر من زيوت المولدات، وهي مخزنة في القدس منذ أكثر من عامين، بانتظار موافقة الاحتلال على إدخالها، إلا أن ذلك لم يتم حتى الآن رغم المناشدات المتكررة للمؤسسات الدولية والحقوقية.

وحذّر الحمادين من كارثة صحية وشيكة في حال استمرار منع إدخال الزيوت، مؤكدًا أن توقف المولدات سيؤدي إلى انهيار كامل للخدمات الصحية، خاصة في الأقسام الحيوية، ما ينذر بحدوث وفيات بين مرضى غسيل الكلى والحالات الطارئة، فضلًا عن تعطل أقسام العناية المركزة وتلف الأدوية المخزنة التي تحتاج إلى التبريد.

واعتبر أن هذه السياسات تعكس هدفًا واضحًا يتمثل في زيادة الضغط على المنظومة الصحية ومنعها من التعافي، مشيرًا إلى أن القطاع يُترك في حالة إنهاك دائم، بما يحول دون تقديم خدمات طبية لائقة.

من جهته، يؤكد الخبير القانوني د. نافذ المدهون، أن الاحتلال يتعمد استغلال الواقع القائم لمعاقبة أبناء الشعب الفلسطيني، من خلال إحكام السيطرة على المعابر والتحكم في إدخال البضائع، بما يخدم مصالحه ويعزز أدوات الضغط على الفلسطينيين، بهدف دفعهم إلى الهجرة خارج وطنهم.

وأوضح المدهون لـ"فلسطين"، أن الوضع القانوني يكشف بوضوح عن انتهاك فاضح للاتفاقيات الثنائية الموقعة بين الاحتلال والفلسطينيين، سواء اتفاقيات أوسلو أو ما تلاها، إضافة إلى التفاهمات التي جرى التوصل اليها في أكتوبر الماضي.

1bcfba6c-3e0e-4050-8edd-c1f8c961cb2a.jpg
الخبير القانوني د. نافذ المدهون

وأشار إلى أن هذه الممارسات تمثل خرقًا صريحًا لاتفاقيات جنيف الرابعة، التي تُحمّل سلطة الاحتلال مسؤولية حماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، وضمان تلبية احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك الجوانب الصحية والغذائية.

وبيّن المدهون أن الاحتلال لا يميز بين الأبعاد السياسية والاجتماعية، بل يتعامل مع الواقع الفلسطيني كحزمة واحدة، ما يجعل هذه الانتهاكات تطال مختلف مناحي الحياة، وهو ما يشكل مخالفة واضحة للاتفاقيات الدولية الموقعة مع سلطة رام الله.

وعلى المستوى الصحي، شدد على أن قطاع الصحة في غزة يشهد انهيارًا شبه كامل، حيث تراجعت الخدمات الصحية بشكل خطير، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة. وأكد أن هذا التدهور يقع ضمن المسؤولية القانونية للاحتلال، باعتباره القوة القائمة بالاحتلال.

ووفق المدهون، فإن الأزمة لا تقتصر على القطاع الصحي فقط، بل تمتد إلى خدمات الصرف الصحي والنظافة العامة، في ظل نقص حاد في المواد الأساسية مثل الزيوت والمواد اللازمة للتنظيف، ما ينذر بوقوع كارثة صحية واجتماعية نتيجة غياب الموارد الغذائية والخدماتية.

وأشار إلى أن نقص الإمكانيات الصحية أثر بشكل بالغ على النساء الحوامل، ما انعكس سلبًا على صحة المواليد الجدد، مؤكدًا أن هذه التداعيات هي نتيجة مباشرة لمخالفة الاحتلال للاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة.

كما لفت إلى أن مستلزمات المستشفيات، بما في ذلك الأكسجين والأجهزة الطبية، تخضع لقيود مشددة أو منع كامل، بسبب إغلاق المعابر، ما يزيد من حدة الأزمة الإنسانية.

وأكد المدهون أن سياسة التحكم بالمعابر ليست عشوائية، بل تأتي ضمن استراتيجية واضحة تهدف إلى فرض واقع قاسٍ على الفلسطينيين، يقوم على خيارين أحلاهما مر: إما الموت أو الرحيل. واعتبر أن هذه السياسة تمثل أداة ضغط ممنهجة لإفراغ الأرض من سكانها.

وختم بالقول إن التعامل مع هذا الواقع يتطلب تحركًا جادًا على المستويات السياسية والدبلوماسية، داعيًا إلى ضرورة ممارسة ضغط دولي على الاحتلال لإلزامه بالحد الأدنى من التزاماته وفق القانون الدولي، خاصة ما يتعلق بحماية السكان المدنيين وضمان حقوقهم الأساسية.

 

المصدر / فلسطين أون لاين