فلسطين أون لاين

خاص باسم لم يترك أسيل بعد البتر… حبٌّ انتصر على الحرب

...
باسم لم يترك أسيل بعد البتر… حبٌّ انتصر على الحرب وصنعا أسرة رغم الألم
غزة/ فاطمة العويني:

لم تكن قصة ارتباطهما عادية في أي تفصيلة من تفاصيلها؛ فبين النزوح والدمار وفقدان كل شيء، وتأجيل الزفاف مرارًا، وصولًا إلى إصابة العروس وبتر قدمها، خاض الشاب باسم أبو طعيمة وخطيبته أسيل جرغون معركة قاسية مع الزمن، لاستعادة حياتهما من جديد.

وفي قلب هذه المعاناة، كان باسم سندًا ثابتًا، لم يتخلَّ عنها، بل اختار أن يمضي معها حتى النهاية، ليحوّل الألم إلى بداية جديدة.

بداية تحت وطأة الحرب

بدأت القصة بلقاء عابر في الجامعة، قبل اندلاع الحرب، حين لفتت أسيل انتباه باسم، فعزم في نفسه على الارتباط بها، وبدأ بالسؤال عن عائلتها. لكن الحرب لم تمهله؛ إذ اضطر للنزوح من منزله شرق خان يونس، وانشغل بتأمين احتياجات أسرته.

يقول باسم لـ"فلسطين": "بعد عودة الأهالي في النزوح الأول، كان منزلنا ما يزال قائمًا، وبدأت عائلتي تضغط عليّ للزواج، فأخبرتهم برغبتي بالارتباط بأسيل".

وبعد البحث عن مكان وجود عائلتها، توجه مع أسرته لخطبتها، وتم عقد القران في 30 يونيو/حزيران 2024.

"لم أحدد موعدًا للزفاف، بسبب اعتقال شقيقي، ثم الإفراج عنه لاحقًا ضمن صفقة تبادل. وبينما كنت أرتب للزفاف، اجتاح الاحتلال خان يونس مجددًا، فنزحنا جميعًا إلى مواصي المدينة".

فرح تحوّل إلى مأساة

حدد باسم موعد الزفاف في الأول من أغسطس/آب، على أن يكون السكن في خيمة، بعدما استحال الرجوع إلى المنازل.

وقبل أربعة أيام فقط من الزفاف، وأثناء وجوده في منزل خطيبته، انقلبت اللحظات إلى كارثة.

يستعيد تلك اللحظة قائلًا: "فجأة دوّى انفجار قريب، وغطّى الدخان والركام المكان، ولم أعد أسمع سوى أصوات الاستغاثة. اختفى مخيم كامل بعد قصف بناية مجاورة".

وبعد دقائق من البحث، وجد عائلة أسيل بخير، إلا أنها كانت تصرخ: "رجلي!".

"كانت مصابة إصابة خطيرة في قدمها. ربطتُ قماشًا حول الجرح، وحملتها نحو الشارع. بالكاد وجدنا مكانًا في سيارة الإسعاف، لكثرة الإصابات".

في المستشفى، كانت الصدمة أكبر: "أخبرني الطبيب بضرورة بتر قدمها فورًا".

ورغم إلحاح باسم على الأطباء لمنحها فرصة، أُجريت محاولة لإنقاذ القدم، لكنها لم تنجح، وبعد 12 يومًا تقرر البتر.

"كانت صدمة قاسية علينا جميعًا… فهي في مقتبل العمر".

سندٌ لا ينكسر

في تلك اللحظة، اتخذ باسم قراره الحاسم: أن يبقى إلى جانب أسيل مهما كانت الظروف.

"خضنا رحلة علاج صعبة بعد البتر، وسط ظروف قاسية ومجاعة تضرب القطاع. أمضينا أشهرًا في المستشفى بين العمليات والتأهيل وتركيب طرف صناعي مؤقت. لم أتركها يومًا".

وبعد سبعة أشهر من العلاج، عادت أسيل إلى خيمة عائلتها، وبدأ باسم تدريبها على المشي تدريجيًا.

"درّبتها خطوة بخطوة، على الرمل والإسفلت والبلاط، وبعد شهر قررنا إقامة الزفاف والاستقرار".

وبالفعل، أقيم الزفاف في 22 ديسمبر/كانون الأول الماضي، في مشهد تختلط فيه الفرحة بالألم.

حياة قاسية… وأمل مستمر

رغم الزواج، لا تزال المعاناة حاضرة. يعيش الزوجان في خيمة لا تناسب الوضع الصحي لأسيل، التي تحتاج إلى بيئة خاصة.

يقول باسم لصحيفة "فلسطين": "استنزفت تكاليف الزواج كل ما أملك. زوجتي لا تجد جدارًا تستند إليه، ولا حمامًا مناسبًا، ولا حتى سريرًا تنام عليه".

ويضيف: "هي الآن حامل في شهرها الرابع، وتضطر لإنجاز أعمالها المنزلية وهي جالسة على الأرض، بسبب صعوبة الحركة".

كما تعاني من ظروف صحية صعبة داخل الخيمة، مع انتشار الحشرات والتهابات في موضع البتر.

ولا تقف المعاناة عند هذا الحد؛ إذ أوصى وفد طبي أجنبي بضرورة سفرها للعلاج، بسبب عدم نجاح عملية البتر بشكل كامل، وحاجتها إلى طرف صناعي دائم، إلا أن إغلاق المعابر يحول دون ذلك.

قوة الحب

من جانبها، ترى أسيل أن دعم باسم كان العامل الأهم في قدرتها على الاستمرار: "كنت خائفة ومتعبة، لكن وجود باسم إلى جانبي غيّر كل شيء، وأعطاني القوة لأكمل. أتمنى أن أسافر للعلاج لأستطيع رعاية طفلي القادم".

أما باسم، فيوجه رسالة لكل شاب: "لا تتخلَّ عن زوجتك أو خطيبتك إذا مرت بظرف صحي خارج إرادتها. لا تكسر قلبها… كن سندها".

المصدر / فلسطين أون لاين