ضمن سياسات التوسع الاستيطاني الممنهجة، تتصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين في مختلف مدن الضفة الغربية من جهة، وارتكاب جيش الاحتلال جرائم متعددة تتمثل باستهداف القرى والبلدات والمخيمات الفلسطينية بشكل مباشر من جهة أخرى، وذلك في إطار سياسة "فرض السيطرة بالقوة".
ويأتي هذا التصعيد غير المسبوق في ظل واقع سياسي وأمني فلسطيني متردٍّ، وآخر إقليمي في غاية التعقيد، شجع الاحتلال ومستوطنيه على التمادي في ارتكاب الجرائم التوسعية في الضفة، وزيادة وتيرة الانتهاكات الممنهجة وذلك في إطار فرض واقع جديد قائم على خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، وتغيير المعالم الجغرافية والديمغرافية للضفة.
طالع المزيد: خبير لبناني: تصريحات سموتريتش التوسعية تكشف النوايا الحقيقية لحكومة الاحتلال
ويتقاطع هذا التصعيد مع مواقف وتصريحات وزير المالية الإسرائيلية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، التي تعكس توجهًا حكوميًا واضحًا نحو تكريس الضم وتعميق الاستيطان، بما يهدد بشكل مباشر ما تبقى من فرص الحل السياسي.
حادثة بلدة دير جرير تمثل نموذجًا صارخًا لتصاعد عنف المستوطنين، حيث تحولت إلى ساحة مواجهة دامية بين روايتين متناقضتين؛ رواية الاحتلال التي تحاول تبرير القتل، والرواية الفلسطينية التي تؤكد وقوع جريمة منظمة ضمن سياق الاعتداءات المتكررة.
وبحسب معطيات ميدانية، وصل معدل اعتداءات المستوطنين إلى نحو 24 اعتداء يوميًا، في مؤشر خطير على تسارع وتيرة العنف. هذه الاعتداءات تتنوع بين الاعتداء الجسدي، وحرق الممتلكات، وسرقة المواشي، وتدمير المحاصيل، وصولًا إلى القتل المباشر.
ويوضح منسق اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان في شمال الضفة سهيل السلمان، أن هذه السياسات أدت إلى تهجير قسري لنحو 75 تجمعًا سكانيًا، في إطار خلق بيئة طاردة للفلسطينيين.
ويؤكد السلمان في حديث خاص لصحيفة "فلسطين"، أن ما يجري هو "محاولة إسرائيلية لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وخلق واقع مشوه"، عبر عزل القرى الفلسطينية ضمن محيط من السيطرة الاستيطانية. ويشير إلى أن الضفة الغربية باتت تضم نحو ألف حاجز وبوابة، ما يعزز من سياسة الفصل الجغرافي وتحويل المناطق الفلسطينية إلى معازل منفصلة.
طالع المزيد: "الجدار والاستيطان": الاحتلال يخطِّط لإقامة 34 موقعًا استيطانيًا جديدًا في الضفة
ويضيف أن حكومة الاحتلال صادقت، بعد السابع من أكتوبر، على أكثر من 103 مستوطنات، إلى جانب إقرار 34 مستوطنة جديدة مؤخرًا، في سياق تسريع التوسع الاستيطاني.
كما يحذر من خطوة إعادة تسجيل أراضي الضفة، التي قد تتيح مصادرة أكثر من مليون دونم وتحويلها إلى "أراضي دولة"، ما يشكل خطرًا استراتيجيًا على الوجود الفلسطيني.
كانتونات معزولة
من جانبه، يرى الخبير في شؤون الاستيطان والجدار صلاح الخواجا، أن ما يجري يأتي ضمن رؤية إسرائيلية تعتبر الضفة الغربية "يهودا والسامرة"، وتسعى لفرض السيادة الكاملة عليها.
ويؤكد الخواجا لـ "فلسطين"، أن السياسات الحالية تهدف إلى تحويل الضفة إلى "كانتونات" معزولة، في ظل مخطط لفصل شمال الضفة عن جنوبها عبر مشاريع استيطانية مثل مشروع "E1" الذي يربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس.
ويشير إلى أن هذه السياسة تطورت من تقسيم الضفة إلى 7 مناطق إلى نحو 176 "كانتونًا"، بما يشبه "سجونًا مفتوحة" للفلسطينيين، في محاولة لشطب إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.
طالع المزيد: حرب الديموغرافيا: من التمدد الاستيطاني إلى عسكرة القدس
اللافت في هذا السياق هو التناغم الواضح بين المستويين الرسمي والشعبي في (إسرائيل)؛ حيث تتقاطع سياسات الحكومة، وتشريعات الكنيست، مع ممارسات المستوطنين على الأرض. هذا التناغم يعكس استراتيجية متكاملة لفرض وقائع جديدة، يكون فيها العنف أداة رئيسية لإعادة رسم الخريطة.
في المقابل، يظهر عجز واضح في الموقف الدولي عن كبح هذه السياسات، وهو ما شجع على استمرارها وتصاعدها. ويرى السلمان أن هذا العجز، الذي تجلى أيضًا في الفشل في وقف العدوان على غزة، ينعكس مباشرة على الضفة، ويمنح الاحتلال مساحة أوسع للمضي في مشروعه.
السيناريوهات القادمة
تتراوح التقديرات بشأن المرحلة المقبلة بين استمرار التصعيد، واحتمال انفجار الأوضاع ميدانيًا. ويرى الخواجا أن "كل السيناريوهات مفتوحة"، وأن استمرار القمع سيؤدي بالضرورة إلى ردود فعل شعبية متصاعدة، قد تصل إلى مواجهة شاملة.
في المقابل، يشدد السلمان على ضرورة استعادة الوحدة الفلسطينية، وبناء استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة هذه السياسات، بعيدًا عن الرهان على المجتمع الدولي.
ما يجري في الضفة الغربية اليوم يتجاوز كونه تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، ليشكل جزءًا من مشروع سياسي متكامل يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرض واقع استيطاني دائم. وبين عنف المستوطنين وتصريحات قادة اليمين الإسرائيلي، تتضح ملامح مرحلة جديدة عنوانها الحسم على الأرض، في ظل غياب رادع دولي واستمرار الانقسام الفلسطيني.