يلهو الرضيع ركان البس (عام وشهران) في حضن جدّته داخل خيمة إيواء بمواصي خان يونس، محاولًا الاندماج مع البيئة من حوله، وممارسة طفولةٍ غابت عنها والدته التي استُشهدت في قصف إسرائيلي قبل عام. يتقاسم هو وجدّته الحكاية ذاتها؛ فهي أيضًا فقدت أمها بعد أسبوع من ولادتها.
وبالرغم من بلوغها الثانية والخمسين من العمر، وتعاظم المسؤوليات على عاتقها، عادت الجدة إلى رحلة التربية من جديد، لتكون أمًا ثانيةً لحفيدها "ركان"، وتجتهد لتعويضه عن حنانٍ افتقده مبكرًا.
يضحك الطفل في حضن جدّته، معتبرًا إياها "أمه"، وقد غيّبت الأيام ملامح والدته عن ذاكرته؛ إذ لم يتجاوز عمره شهرين وعشرة أيام حين فارقها. نجا من مجزرة ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليكبر بلا أم، محرومًا من الحنان والرعاية. ومهما حاولت الجدة احتواءه، تدرك أن "غياب الأم لا يُعوّض"، تقولها وهي التي ذاقت قسوة الحياة يتيمة الأم منذ طفولتها.
في 13 أبريل/نيسان 2025، عند الساعة الحادية عشرة صباحًا، كانت رحمة أحمد أبو طه (29 عامًا) تُعدّ كوبًا من القهوة، بعد أن غسلت ملابس أطفالها، حين دوّى انفجار قريب. هرعت حماتها لينا البس (52 عامًا) إليها، لتجدها فاقدة الوعي، وقد سقطت أرضًا، مع نزيف من أنفها، وبجوارها حفيدها نائل (9 أعوام) مصابًا.
تروي الجدة لـ "فلسطين أون لاين"، وهي تحتضن ركان الذي لا يعرف شيئًا عمّا جرى، ويناديها "ماما"، في الذكرى الأولى لاستشهاد والدته: "حملت ركان، وبدأت أحاول إيقاظ كنتي رحمة، لكن النزيف كان يزداد. تفاجأت بإصابة نائل أيضًا. كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد إصابتها بشظية استقرت في القلب، فيما كانت حالة نائل خطيرة، إذ أصيب في الكبد، وخضع لعملية جراحية استمرت خمس ساعات".
يوم جميل
قبل لحظات من القصف، كانت "رحمة" قد أنهت صباحها المعتاد. تستعيد الجدة تلك اللحظات، محاولة حبس دموعها:
"بدأت يومها بخَبز المناقيش، وتناولت الإفطار، وغسلت أطفالها. أخذتُ ركان معي إلى بيت الجيران وتركته نائمًا هناك، وعندما عدت بدونه قالت: (قلبي بيوجعني.. أمانة جيبيه). أحضرته سريعًا، وما إن رآها حتى ضحك وارتمى في حضنها، فأرضعته".
وتضيف "أم أحمد": "طلبت رحمة من زوجي إشعال النار لتسخين الماء، ثم غسلت أطفالها وبدّلت ملابسهم، وأعدّت شوربة العدس. طلبنا منها زيادة الكمية، ثم طلبت من عمها إعداد القهوة بعد وصول شقيقها لزيارتها. وضعت فنجان القهوة على رف خشبي في المطبخ، وكانت تغسل الملابس. حملت ركان وخرجت، وفي تلك اللحظة وقع القصف من طائرة إسرائيلية استهدفت مجموعة من المارة قرب الخيمة".
تتوقف لحظة، ثم تتابع بصوتٍ مثقل: "عند الضربة، احتضنت رحمة أطفالها وقالت لهم: (ما تخافوش)، وتلقت الشظية عنهم قبل أن تسقط. حين وصلت إليها، كانت تنظر إلى ركان ونائل وخالد… لم تستطع الكلام، لكني فهمت ما كانت تريد قوله".
وخلال نقل الشهيدة وطفلها المصاب، جرى نقل نائل بسيارة مدنية إلى مستشفى ناصر، قبل أن تُستكمل الرحلة بسيارة إسعاف. وبمصادفة قاسية، وقع نقل الطفل أمام محل يملكه جدّه، حيث كان والده أحمد يعمل، ليفاجأ بأن المصاب هو ابنه، ويتلقى في اللحظة نفسها خبر استشهاد زوجته.
ملامح غائبة
بعد الحادثة، ظل ركان يحدّق في وجوه النساء اللواتي ملأن الخيمة، يبحث عن ملامح أمه الغائبة، خاصة مع اشتداد الجوع عليه، واعتماده الكامل على الرضاعة الطبيعية.
تقول الجدة بصوت يختنق بالبكاء: "أخذته بعمر شهرين وعشرة أيام، واليوم أصبح عمره سنة وشهرين. تعلّق بي كثيرًا، وأصبح يناديني (ماما)".
تعيش "أم أحمد" في خيام الإيواء مع عائلتين من أبنائها، ولديها ابنان غير متزوجين. تتوزع مسؤولياتها بين رعاية أبنائها وأحفادها الثلاثة: نائل (9 سنوات)، وخالد (8 سنوات)، وركان، محاولة تعويضهم عن غياب والدتهم، والاهتمام بتربيتهم ودراستهم.
وتقول: "ربّيت ركان كما ربّيت أعمامه. واجهت صعوبة لأنه رفض الحليب الصناعي، وكان يغلق فمه أمام الزجاجة، كما كان يفعل مع أمه. المعاناة الأخرى هي العيش في الخيام وانتشار الأمراض الجلدية. ما يخفف عني أن الجميع يشاركون في رعايته. ينام بجانبي، وأنا أعتبره ابني".
ذاكرة لا ترحل
تصف "أم أحمد" كنتها الشهيدة بأنها "كانت مثل الطفلة"، رغم كونها خريجة إدارة أعمال، نشأت في بيئة ملتزمة انعكست على تربيتها لأبنائها.
وتقول: "أحبت حياتنا، وعاشت معنا سنوات جميلة في منزلنا بحي الجنينة في رفح. كانت تهتم بزوجها وأطفالها، وكانت بشوشة ومحبة للحياة. كانت تحرص على تحفيظ أبنائها القرآن، وكانت تتمنى أن يصبح نائل طبيبًا".
وتستعيد لحظات لا تغيب عن ذاكرتها: "في آخر رمضان، أحضرت لنا سجادات صلاة ومصاحف وكتبت أسماءنا عليها. كنا نجتمع كل خميس وجمعة في أجواء عائلية جميلة. لم أعتبرها كنّة، كانت ابنتي، وتشبهني كثيرًا".
وتتشابه حكاية ركان مع حكاية جدّته، التي فقدت أمها بعد أسبوع من ولادتها، ونُقلت لتعيش مع أقاربها، حيث أرضعتها امرأة من غزة.
اليوم، تُعيد الحياة سرد الحكاية ذاتها: جدة فقدت أمها، تُربي حفيدًا فقد أمه. تحملها بكل ما فيها من ألم ومسؤولية، وتضمّه إلى صدرها في محاولة لتخفيف قسوة الفقد، إلى أن يكبر ويعرف الحكاية كاملة… كما عرفتها هي يومًا.