فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿وَالآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبقى﴾     الأعلى17

في رحم المعاناة والتضحيات، حيث استُشهدت عشرات الآلاف وابتلعت الأرض دماء الأبطال، تولد عزيمة لا تُقهَر، وصوت فلسطين يصدح من تحت الركام: لا خيار إلا المقاومة، لا نهاية إلا النصر أو الشهادة، فغزة التي أحرقت بالنار، كإبراهيم في الأهوال، تصرخ بثباتٍ لا ينكسر: {حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، تزرع في قلوبنا يقين الفجر، وعد الله بالتمكين، وأن لا تُهزم إرادة أمة لا تعرف الانكسار، فهذه الأرض لنا، وهذه الروح لا تموت، وإن طالت المحنة، فالصبر طريق النصر والخلود، والدماء التي سالت ليست إلا بذور الحرية التي ستُزهر يوماً على أرض فلسطين حرةً أبيةً.

شهداء أكثر من سبعين ألفًا والجرحى أكثر من مائة ألف والمفقودين تجاوزوا العشرة آلاف ومازال القتل والإبادة مستعرًا في أهلنا، غزة جديدة دشنت في الفردوس الأعلى بعوائل كاملة مسحت من السجل المدني؛ كانت هنا في غزة حياة جميلة وطول أمل وأولويات وطموحات وأهداف {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} فاطر 5.

فجاءت المحرقة {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ} طه 40 أيقظت الصورة الأصلية وأخفت الدنيا التي كانت أولوية، وأعادت رسم ملامح الغاية التي علينا أن نحياها حيث الحياة قصيرة، ونحن حملة رسالة، وميدان العمل أن الدنيا دار ممر {الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} العنكبوت 64 {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى 17

حتى النصر وتحرير فلسطين الذي هو قيمة كبرى وغاية عليا لشعب فلسطين والثمرة الأكبر لتضحيات غزة الملحمية ليست سوى عطاء إضافي من الله تعالى ولكنها ليست الغاية {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} الصف 13.

في المحرقة عليك أن تعيد ترتيب الأولويات وتجعل القيمة الكبرى {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} آل عمران 185 وبذلك جدد النية لله عز وجل بأن (الحياة كلها لله). وأن مسار حياتنا أن نوقف أنفسنا لله للفوز في الآخرة {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام 162.

والأنبياء الأجل والأكرم منا جميعًا قدموا نموذجًا فهذا زكريا عليه السلام يرزق بيحيى وقد بلغ من الكبر عتيا وسماه الله (يحيى) بمعنى الحياة {لَمْ نَجْعَل لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} مريم 7 ثم لا يحيا بل يُقتل وتقطع رأسه وتُقدم هدية إلى بغي من بني إسرائيل وكذا عيسى عليه السلام وكوكبة من الأنبياء {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} البقرة 91. وهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ فهذه سمية وياسر في مطلع رسالة الإسلام وهذا مصعب المترف وهذا سعد بن معاذ يهتز لموتة عرش الرحمن وجميعهم يجعل الغاية لقاء الله ورضاه، وهذا عمير بن الحمام يرى الدنيا حياة طويلة حتى يأكل تمرات فيلقي نفسه في فم الموت.

والصبر في كل هذه المحرقة المحنة عاقبته عظيمة عند الله عز وجل بنصره في الدنيا وفوز في الآخرة {إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} التوبة 120.

المصدر / فلسطين أون لاين