شنّت الولايات المتحدة بالاشتراك مع "اسرائيل" هجومًا عسكريًا مباشرًا ضد إيران، ما أسفر عن اغتيال المرشد الأعلى الخامنئي وعدد من القادة العسكريين والسياسيين، كما أدى ذلك لإلحاق الأضرار بالقدرات النووية والباليستية الايرانية، حيث ردت إيران على الهجوم بضرباتٍ صاروخية، واغلاقٍ لمضيق هرمز الذي يعتبر الشريان النفطي للعالم، الأمر الذي أدى لإشعال فتيل أزمة اقتصادية عالمية، كما أن سخطًا في الشارع الأمريكي أجبر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الجلوس على طاولة المفاوضات، حيث إن ذلك لم يحدث بالطريقة التي تجري حاليًا منذ الثورة الاسلامية عام 1979، ما يعطي الحدث زخمًا سياسيًا مصيريًا لا يستهان به البتة، فلا يمكن اعتبار المفاوضات الجارية حاليًا في إطار المحادثات الدبلوماسية الاعتيادية، بل تعتبر من أعلى مستويات التفاوض بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، حيث إن الحرب أجبرت الطرفين على التفاوض لكنها لم تقرب مواقفهما للاتفاق، وإن فعل الطرفين لذلك يمثل وعيهما بضخامة التكلفة عليهما حال استمرار الحرب دون وجود تسوية حقيقية، لذلك أعتقد أن ما يجري الآن من مفاوضات في اسلام آباد لا يمكن اعتباره تفاوض على شروط الاستسلام إنما تفاوض على توازنات الردع في منطقة الشرق الأوسط بالغة الاشتعال.
كما تعتبر الضربات التي تلقتها إيران ضرباتٍ قاتلة، حيث إن أزمة اغتيال المرشد الأعلى واستهداف العديد من قيادات وكوادر السياسية والعسكرية تعتبر سابقة هي الأولى من نوعها بالنسبة لإيران، وعلى الرغم من ذلك إلا أن الأخيرة لم تفلس تفاوضياً بل ما زالت تملك في جعبتها ورقتين لا يستهان بهما: الأولى مضيق هرمز الذي يبقى تهديدًا كامنًا قابلًا للتفعيل، والثانية المتمثلة بشبكة حلفاء إيران الاقليميين أو كما يعبر عنها الغرب -الوكلاء الإقلييميين- التي لم لم تستنزف بالشكل المطلوب "اسرائيليًا"، حيث يستمر حزب الله بتنفيذ عمليات عسكرية ضد العمق "الاسرائيلي"، كما أن تأثير الفصائل العراقية والحوثي في اليمن يعتبر من أهم التأثيرات في المنطقة، خصوصًا بعد فففرض الحوثي سيطرته الحقيقية على البحر الأحمر خلال حرب طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023 – 10 أكتوبر 2025.
كما أن وفد التفاوض الايراني متمثلٌ بقاليباف الذي يمثل مؤسسة تشريعيةً لا سلطة تنفيذية مباشرة في بلاده، بجانب عباس عراقجي وزير الخارجية الايرانية، حيث يعتبر ذلك الاختيار محسوبًا بدقة متناهية تتيح لايران انتزاع مكاسب تفاوضية مع الاحتفاظ بهامش من الانكار امام الرأي العام الداخلي، دون أن يبدي الجانب الأشد حساسية من السلطة الايرانية بصورةٍ مباشرة.
غير أن اختيار الوفد المفاوض الأمريكي لا يعتبر اختيارًا متجانسًا حيث يعتبر نائب الرئيس الأمريكي فانس شخصيةً براغماتية بينما يعتبر كوشنر وويتكوف شيخصيات موالية ل/ "اسرائيل" بشكلٍ غير متناهي، حيث صرّح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف صراحةً بأن مطلب بلاده ملخصٌ بضمان تفكيك إيران لبرنامجها النووي في ناتانز وفورد وأصفهان، وليس تجميدها أو تقليصها، ويمثل الطرح السابق خطًا أحمرًا بالنسبة لإيران التي تعتبر المشروع النووي بمثابة موازن الردع، غير أن القبول بتفكيك البرنامج النووي الايراني بالنسبة لإيران يعتبر هزيمةً سياسيةً نكراء، وهو ما لا تحتمله أي يادة تريد الاستمرار في السلطة الإيرانية، حيث إن شروط الاتفاق المطروحة إيرانيًا تحتفظ بحق إيران في بعض منشآت تخصيب اليوارنيوم بطريقة شرعية وبضماناتٍ دولية أكثر إلزامًا من غيرها.
كما تأتي قضية مضيق هرمز كرهينة للتفاوض ولي س كنقطة بداية له، حيث يصر الجانب الأمريكي على فتح مضيق هرمز بشكلٍ فوري وكشرطٍ مسبق، بينما ترى طهران في المضيق ورقة ضغط تحتفظ بها حتى ابرام الاتفاق الشامل وليس قبله، ويعتبر ذلك الاختلاف المنهجي بمثابة اختبار لنيات الطرفين حول جديتهما في الوصول لاتفاق شامل، نظرًا لمساهمة المضيق في رفع أسعار النفط عالميًا في كل يوم يبقى فيه مغلقًا، كما أن ذلك يؤثر بشكلٍ مباشر على صمود الهدنة الحالية، وبالإضافة لما سبق يظهر الملف اللبناني كعقبة في طريق الوصول لاتفاق، حيث تعمل إيران على شمول وقف اطلاق النار بينها وبين الولايات المتحدة للبنان، فيما ترفض كلًا من الولايات المتحدة و "اسرائيل" هذا الربط، حيث يمثل الربط رسالةً ضمنيةً واضحة بأن قوة المحور ما زالت حاضرة وأن التماسك الناري ما زال قائمًا على الرغم من الضربات المتعددة التي تعرض لها، الأمر الذي يفشل كافة الجهود السابقة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اللحظة، حتى أنه يحول كافة الانجازات إلى إنجازات تكتيكية مقابل هزيمة استراتيجية، كما أن فشل إيران في تحقيق هذا المطلب يضع الوفد المفاوض الايراني في حالة حرج بالغة أمام الشارع الايراني خصوصًا أنه سيفهم وفق الأبجديات الإيرانية بأنه ضعف في الحزم التفاوضي الذي يبديه كلًا من قاليباف وعراقجي خلال عملية التفاوض، كما أن ذلك يعبر عن قدرة "اسرائيل" غير المتواجدة في اسلام آباد على تفجير التفاوض من خلال ضربات قوية ومؤثرة على ضاحية بيروت في الجنوب اللبناني، الأمر الذي يشكل معضلة هيكلية في بنية هذه المفاوضات.
باكستان: الوسيط المتلوّن:
لا تمارس باكستان دور الحياد في وساطتها بين ايران والولايات المتحدة، حيث تعمل على استثمار الاجراءات الامنية غير المسبوقة والحماية الجوية للوفد الايراني والامريكي، بالإضافة لتعطيل أجزاء لا يستهان بها من الحياة الاعتيادية، لتكسب من ذلك شرعيةً دبلوماسيةً إقليمية ودولية، بجانب دعمٍ اقتصادي أمريكي وتعزيز لحضورها الاستراتيجي في منطقة تعيد رسم خارطتها بواسطة الصراعات والوساطات، وعلى الرغم من ذلك إلا أن المعضلة التي يمكن أن تواجه باكستان تتمثل في تبنيها للرواية الايرانية في المسألة اللبنانية، حيث تعتبر الهدنة شاملة له، ما يعقد وساطتها أمام الولايات المتحدة.
الصين وروسيا: اللعب من خلف الكواليس:
صدر إقرارٌ من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بمساهمة الصين في إقناع طهران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، حيث يعتبر المنطق الصيني مركبًا إلى حدٍ كبير، فبينما تعاني بكين من الضغط الاقتصادي لإغلاق مضيق هرمز كونها أحد أكبر مستوردي النفط الخليجي، إلا أنها في الوقت ذاته لا تسعى لتسوية تعيد رسم النفوذ الأمريكي في منطقة تطمح لإيجاد موضع قدم فيها نظرًا لحساسيتها القصوى، لذلك تسعى الصين لوقف الحرب دون أن ينزلق ذلك لمعادلة سلام تعزز الحضور الأمريكي على حساب حلفائها، وفي ذلك يعتبر الدور الصيني صابًا في دفع التسوية مع إيقاف بعض المطالب الأمريكي الأشد إلزامية من غيرها.
وبالنظر للموقف الروسي، فإنه يعتبر مكملًا للموقف الصيني، حيث استخدمت روسيا حق النقض الفيتو بالاشتراك مع الصين لإسقاط قرار مجلس الأمن القاضي بفتح مضيق هرمز، غير ان القيود الروسية المتمثلة بالانغماس في الحرب الأوركانية وضيق الهامش الاقتصادي جعلت منها فاعلًا ذو طافة إعاقة أكثر منه صانع توازنات، لذلك لن تكوزن روسيا العامل الحاسم في مفاوضات اسلام آباد، لكنها ستشكل ضاغطًا هيكليًا على هامش المناورة الأمريكية.
الانعكاسات الإقليمية:
تعتبر المنطقة العربية من أكثر المتأثرين بالحرب الايرانية الأمريكية "الاسرائيلية"، حيث تضررت المصالح النفطية في منطقة الخليج العربي، غير أن زعزعة الاستقرار والاضطراب الي أضر بالاقتصادات الاقليمية أمر لا يستهان به، غير أن القلق العربي الخليجي خصوصًا يكمن في حال التوصل لاتفاق تسوية يعترف فيه الأمريكي بالحضور الايراني ضمنيًا في البنية الاقليمية الأمنية، ما يجبر دول الخليج على إقامة علاقات أعمق مع إيران، كما أن ممارسة كلًا من السعودية ومصر وتركيا لأدوارها الدبلوماسية التحضيرية يجعلها حاضرةً في المشهد مع الغياب الرسمي عن إسلام آباد، حيث يعتبر الغياب محسوبًا ما يعكس واقعًا دقيقًا، حيث تريد الدول المذكورة نجاح المفاوضات بينما لا تريد تحمل سوء النتائج حال سيرها في اتجاه لا يصب في مصالحها.
وبالنظر للبنان فإنها مسرح مباشر للعمليات العسكرية "الاسرائيلية"، كما أن مستقبله مرتبطٌ بين خطابين متنازعين لا تسوية حقيقية، حيث تواصل "اسرائيل" ضرباتها في لبنان لتعيد رسم موازين القوى الميدانية في ظل غياب وقف اطلاق نار شامل، الأمر الذي يفرز وقائع على الأرض تتجاوز ما يمكن أن تنتجه طاولة المفاوضات في إسلام آباد.
بناءاً على ما سبق، فإننا أماl أحد السيناريوهات الآتية:
السيناريو الأول: توصل الطرفان لاتفاق مرحلي، يتم خلاله تمديد الهدنة لمدة 45 يوم أخرى، حيث يتم خلالها فتح مضيق هرمز بشكلٍ جزئي، بينما يتم تأجيل الملفات الشائكة (لبنان، البرنامج النووي والعقوبات الشاملة) لجولات لاحقة، وهذا ما تسعى له باكستان تحديدًا، غير أن التوصل لاتفاق كهذا يعرض الاطراف لمشاكل بنيوية حقيقية تكون سبب لنشوب صراع مرةً أخرى.
السيناريو الثاني: استمرار الضربات "الاسرائيلية" للبنان، وإصرار الجانب الأمريكي على تفكيك البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي يؤدي لإغلاق مضيق هرمز بشكلٍ تام وانهيار المفاوضات وعودة الحرب.
السيناريو الثالث: التوصل لاتفاق استراتيجي شامل في جولةٍ واحدة، حيث يلزم إيران بقبول ضمانات دولية للبرنامج النووي في حدود التخصيب المنخفض مع رقابة مشددة، مع اعتراف الولايات المتحدة بالحضور الايراني الاقليمي ضمن معادلة توازن مقبولة، مقابل خارطة زمنية لرفع العقوبات، حيث يبقى السيناريو الحالي راهنًا رغم أنه بعيد المنال، غير أنه الوحيد القادر على إنتاج استقرار هيكلي لا مجرد هدنة.
ملاحظة: يبقى السيناريو الأول الأكثر ترجيحًا نظرًا للوضع الراهن والمؤشرات الحالية، ما لم تختلف المعطيات خلال جولة المفاوضات الحالية.

