قائمة الموقع

الطفل الخديج "مالك غبن".. عامان ونصف من الغياب تكشف إصابته بطيف التوحد

2026-04-11T10:34:00+03:00
الطفل مالك غبن برفقة والده
فلسطين أون لاين

"توجهوا إلى مستشفى ناصر الساعة الواحدة"… لم يتأخر والدا الطفل مالك رامز غبن عن الموعد الذي أُبلغا به من قبل مؤسسة دولية نسّقت عودة الأطفال الخدّج إلى قطاع غزة، بعد رحلة علاج في مصر استمرت عامين ونصف، بعيدًا عن أحضان ذويهم، إثر إخراجهم تحت القصف كإجراء طارئ لإنقاذ حياتهم خلال استهداف الاحتلال لقسم الحضانة في مجمع ناصر الطبي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.

كان الشوق ينهش قلبي الأبوين، وكل دقيقة تمرّ كأنها ساعة انتظار، حتى وصلت الحافلة التي تقل الأطفال عند السابعة مساءً. هناك، انطفأت نار الاشتياق بلحظة عناق امتزجت فيها فرحة اللقاء بمرارة فراق قاسٍ، لم يعرفه طفل حُرم من والديه لعامين ونصف.

لحظات الفرح بعودة مالك لم تكتمل؛ فقبل مغادرة المستشفى، استوقف أحد الممرضين والده على انفراد، ليبلغه بأن الطفل مصاب بـ"طيف التوحد"، ويحتاج إلى برنامج علاجي وأدوية خاصة. كان الخبر صادمًا، زاد قسوته أنه بقي طيّ الكتمان طوال فترة غيابه.

خمسة أشهر من البحث والانتظار

وُلد مالك في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 بعملية قيصرية، وكان يعاني نقصًا في الأكسجين، وانخفاضًا في الوزن، وتجمع سوائل على الصدر، ما استدعى نقله إلى قسم الحضانة في مستشفى الشفاء. وبسبب الظروف الصعبة آنذاك، لم تتمكن عائلته من البقاء إلى جانبه.

يروي والده لـ "فلسطين أون لاين": "قال لي الطبيب: عندما يتحسن ابنك سنتواصل معك. كنت أتابع يوميًا، لكن بعد أربعة أيام انقطع الاتصال، وكان هاتف الطبيب مغلقًا. ومنذ تلك اللحظة فقدت أي خبر عن طفلي، بالتزامن مع انتشار نبأ استهداف مستشفى الشفاء وقسم الحضانة".

ومع تصاعد القصف، تلاشى الأمل في العثور على الطفل حيًا، يقول الأب: "ظننت أنه استشهد، لكنني لم أتوقف عن البحث". وبعد أسبوع، لفتت انتباهه صورة لأطفال خدّج نُقلوا إلى المستشفى الإماراتي في رفح، فحاول النزوح جنوبًا، لكنه لم يتمكن من ذلك إلا بعد خمسة أشهر.

وعند وصوله، بدأ رحلة بحث مضنية بين المستشفيات، حتى أخبره رئيس قسم الحضانة في المستشفى الإماراتي أن طفله، المسجل باسم "ابن إسراء غبن"، نُقل إلى مستشفى في العاصمة الإدارية بالقاهرة ضمن الأطفال الذين تم إجلاؤهم للعلاج.

تواصل من خلف الغياب

رغم شعوره بالطمأنينة لنجاة طفله، لم يفارقه القلق. وبعد محاولات استمرت نحو عشرين يومًا، تمكن بمساعدة صحفية مصرية من الحصول على أول صورة ومقطع فيديو لمالكه الصغير، كما زُوّد برقم أحد الممرضين المرافقين للأطفال.

ومنذ ذلك الحين، استمر التواصل عن بُعد عبر الصور ومكالمات الفيديو، خصوصًا بعد نقل الطفل إلى دار رعاية. يقول الأب: "عشنا معاناة قاسية، كنا ننتظر عودته كل يوم، حتى تأكدنا بعد خمسة أشهر أنه على قيد الحياة".

اقرأ أيضًا: طفل الحضّانة الذي عاد.. قصة فراق ولقاء في زمن الحرب

بعد عودته، انتقل مالك من دار الرعاية إلى غرفة داخل مدرسة تؤوي نازحين، لكن الحياة لم تكن سهلة. فعلى الرغم من محاولات العائلة، التي تضم أربعة أشقاء، التفاعل معه وفق توصيات الأطباء، إلا أن أعراض "طيف التوحد" كانت واضحة.

يقول والده: "لا نستطيع التعامل معه بسهولة. يصرخ كثيرًا، لا يحب مشاركة ألعابه، ولا يتقبل اللعب مع الآخرين، كما أنه لا ينطق. في الليل، يبقى متيقظًا ويتنقل باستمرار، وأخشى عليه من السقوط، خاصة أننا نقيم في طابق مرتفع دون وسائل حماية".

ورغم ذلك، يشير إلى أن مالك ليس عدوانيًا، لكنه يفضّل العزلة، ويُظهر ارتباطًا عفويًا بالغرباء أكثر من أفراد أسرته.

اكتشاف متأخر وتشخيص طبي

بعد نحو ثلاثة أشهر من وجود الطفل في الحضانة، بدأ الممرضان المرافقان له، بلال طباسي ومحمود عفانة، بملاحظة سلوكيات غير معتادة، مثل التركيز الطويل على أشياء محددة. يقول طباسي: "في البداية ظننا أنه خوف، لكن مع الوقت، ومع بلوغه عامًا ونصف، لاحظت سلوكيات غريبة، فعرضته على طبيب مختص".

وأضاف: "أُجري له تقييم، وتبين أنه مصاب بطيف التوحد بدرجة متوسطة (39)، ووُضع له برنامج علاجي يمتد من أبريل/ نيسان حتى سبتمبر/ أيلول، إلى جانب أدوية ومكملات".

وأشار إلى أن الطفل يتمتع بطباع هادئة، لكنه لا يحب الضجيج، ما يجعل بيئة مراكز الإيواء غير مناسبة لتحسن حالته. ويختم: "كنا نحاول منحه مساحة من الاهتمام، نلاعبه ونتدرج في التعامل معه، لكنه يفضّل عالمه الخاص، ويتفاعل بطريقته، ويختار من يقترب منه".

بين صدمة التشخيص وقسوة الواقع، يتمسك والدا مالك بالأمل في تحسن حالته، رغم التحديات الكبيرة، في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الرعاية والدعم، ليبقى حلمهما أن يجد طفلهما طريقه نحو التعافي، بعد رحلة طويلة من الغياب والوجع.

اخبار ذات صلة