في الجيوبوليتيك المعاصر لا يُقاس الانتصار بعداد الجثث المطروحة على قارعة الطريق ولا بمقاييس التدمير المادي للبنى التحتية المدنية والعسكرية فحسب بل بمدى قدرة الكيان السياسي على إعادة إنتاج شروط وجوده الاستراتيجي وفرض إرادته السياسية على مسار الأحداث بعد إسكات ضجيج المدافع إن الحساب الختامي للصراع الذي اندلع بين الآلة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى يكشف عن مفارقة جيوسياسية عميقة تجلت في تناقض صارخ بين حصاد الميدان التكتيكي الذي أظهر تفوقا تقنيا ساحقا لقوى الهيمنة الغربية عبر استهداف رأس الهرم القيادي الروحي وتدمير المنظومات الدفاعية وشل حركة الأساطيل وبين حصاد الثبات الاستراتيجي الذي أظهر قدرة الطرف المستهدف على امتصاص الصدمة الأولى وتجديد خلايا القيادة والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وإدارة ردع غير متماثل عبر وكلاء إقليميين أربكوا حسابات المراكز الغربية.
إن المآل الاستراتيجي لهذه المواجهة يثبت أن هدف تغيير النظام بالقوة وهو الهدف الأيديولوجي المعلن للإدارة الأمريكية بقيادة ترامب وحكومة نتنياهو قد تحطم على صخرة التماسك البنيوي للدولة الإيرانية فرغم النجاح التكتيكي المؤقت في تصفية الصف الأول من الهرمية السياسية والعسكرية العليا باستثناء الحكومة التنفيذية المدنية ورغم السيادة الجوية شبه الكلية للطيران المعادي وما ألحقه من دمار هائل في مرافق النقل والصناعة والمدن الآهلة بالسكان المدنيين فإن الطرف المدافع نجح في إعادة تشكيل قيادته بسرعة لافتة وأحبط عمليات الاختراق الاستخباراتي الرامية إلى خلق جيوب انشقاقية في العراق وأثبت فاعلية أذرعه الإقليمية في معادلة الإيلام المتبادل.
وإذا كانت الموازين الميدانية الضيقة تشير إلى خسارة إيرانية في القطع البحرية المتوسطة والثقيلة وفي فقدان قيادات الصف الأول فإن قراءة متأنية لمخرجات الردع الأفقي تشير إلى قدرة طهران على نقل المعركة إلى عمق الخصم وإلى كل القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط حيث أدى الاستنزاف الصاروخي والمسير إلى إفراغ قاعدة استراتيجية وإخراج قيادة الأسطول الخامس من دائرة الفعل العسكري المؤثر وانسحاب جزئي لقوات الناتو من شمال العراق في مشهد يؤكد محدودية نظرية الردع التقليدي أمام استراتيجيات الحرب اللامتناظرة التي تنتهجها محاور المقاومة الإقليمية.
وعلى صعيد التحكم في الممرات المائية الحيوية فقد تجسدت الهزيمة الاستراتيجية الأمريكية في انتزاع السيطرة العملية على مضيق هرمز من قبضة الوجود البحري الدولي وتحويلها إلى أداة ضغط اقتصادي وسيادي حيث تحول المرور الملاحي إلى حالة انتقائية تخضع لتنسيق ميداني مع القيادة العسكرية الإيرانية وترافق ذلك مع مفارقة دبلوماسية عجيبة تمثلت في رفع العقوبات الاقتصادية عن صادرات الطاقة الإيرانية أثناء احتدام القتال كضريبة واقعية فرضتها حاجة الأسواق العالمية لتفادي انهيار أسعار النفط مما يؤكد أن الجغرافيا الطبيعية تنتصر في النهاية على أحلام الهيمنة.
أما المشهد التفاوضي في اللحظات الأخيرة فقد كشف بما لا يدع مجالا للشك عن موازين القوى الحقيقية فالمبادرة الأمريكية الحثيثة للبحث عن وساطات إقليمية وقبول الرئيس ترامب العلني بالبنود الإيرانية العشرة كأساس للتفاوض بعد ساعات من تهديده بإعادة المنطقة إلى العصر الحجري يمثل اعترافا ضمنيا بفشل الحملة العسكرية في كسر إرادة الخصم أو تحقيق الأهداف الخمسة عشر المعلنة بينما نجحت طهران في تثبيت مبدأ شمولية وقف إطلاق النار لكل جبهات الإسناد من لبنان إلى اليمن وهو ما يعد انتصارا دبلوماسيا مريرا يؤسس لمرحلة جديدة من إعادة تعريف توازنات الردع الإقليمي.
إن إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط في أعقاب هذه الحرب ستسير عكس المسار الذي صاغته مختبرات التفكير الغربية فوجه النصر في الحروب المعاصرة لم يعد وجه القوة التدميرية الغاشمة وحدها بل وجه الصلابة المجتمعية والقدرة على الثبات في وجه الابتزاز العسكري وفرض شروط الخروج من الأزمة إن إيران وإن تحملت خسائر بشرية ومادية كارثية ودخلت في مرحلة إعادة ترميم علاقاتها الإقليمية المتوترة مع جيرانها تخرج من هذه الملحمة وقد أثبتت لشعوب المنطقة أن خيار المقاومة المنظمة قادر على إحداث اختراق في جدار الهيمنة الكونية المنتصبة وإن صك النصر الحقيقي قد كتب هذه المرة بدماء القادة الذين سقطوا على يد الغدرة الأمريكية الصهيونية لا بحبر الاتفاقيات التي تذروها رياح القوة العارية.

