تتكرر في كل محطة إنسانية صعبة في قطاع غزة محاولات لتقديم صورة مضللة للواقع، عبر أرقام مجتزأة توحي بوجود تحسن نسبي.
جاءت تصريحات نيكولاي ميلادنوف رئيس المجلس التنفيذي لمجلس السلام، أمس، لتعيد إنتاج هذا النمط من الخطاب، من خلال التركيز على عدد الشاحنات الداخلة إلى القطاع، دون وضعها في سياقها الحقيقي.
المشكلة لا تكمن في الرقم بحد ذاته، بل في طريقة توظيفه.
فعندما يُقال إن “مئات الشاحنات” دخلت إلى غزة، يبدو الأمر وكأنه مؤشر إيجابي، لكن القراءة الدقيقة تكشف خلاف ذلك تمامًا.
تشير التقديرات الإنسانية إلى أن قطاع غزة يحتاج في الظروف الطبيعية إلى ما بين 500 إلى 600 شاحنة يوميًا لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.
أما في ظل الكارثة الحالية، مع النزوح الواسع وتدمير البنية التحتية، فإن الحاجة ترتفع إلى ما يقارب 600 إلى 800 شاحنة يوميًا تشمل الغذاء، المياه، الأدوية، الوقود، ومستلزمات الإيواء.
في المقابل، فإن ما يتم إدخاله فعليًا – وفق ما يُروَّج له – لا يتجاوز في كثير من الأحيان 100 إلى 150 شاحنة يوميًا، بمعدل 80 شاحنة منذ الإعلان عن الاتفاق في أكتوبر الماضي،وأحيانًا أقل من ذلك. هذا يعني ببساطة أن ما يصل إلى القطاع لا يغطي سوى نحو 20% إلى 25% من الاحتياج الفعلي، أي بعجز يومي قد يصل إلى 450 شاحنة.
هذه الفجوة الهائلة تُسقط تلقائيًا أي ادعاء بوجود تحسن حقيقي.
فالأرقام، عندما تُقرأ بشكل كامل، لا تعكس انفراجة، بل تكشف عمق الأزمة.
الأمر لا يقتصر على العدد، بل يمتد إلى نوعية المساعدات.
فجزء كبير من الشاحنات لا يحتوي على مواد كافية أو أساسية، في ظل نقص حاد في الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه، وضعف في الإمدادات الطبية، وغياب واضح لمستلزمات الإيواء، رغم وجود مئات آلاف النازحين.
إن تقديم هذه الأرقام دون الإشارة إلى حجم الاحتياج الفعلي يُعد تضليلًا صريحًا، لأنه يخلق انطباعًا زائفًا حول الواقع، في حين أن الواقع الفعلي يقول العكس تمامًا: طوابير للحصول على الخبز والماء، مستشفيات مهددة بالتوقف، وأوضاع إنسانية تتدهور يومًا بعد يوم.
الأخطر أن هذا الخطاب يساهم، بشكل مباشر، في تخفيف الضغط الدولي المطلوب لمعالجة الأزمة، من خلال إعادة إنتاج رواية توحي بوجود استجابة كافية، وهو ما يتناقض مع شهادات الميدان والوقائع اليومية.
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة:
ليست القضية كم شاحنة دخلت، بل كم يحتاج الناس ليعيشوا بكرامة.
وما بين الرقم المُعلن والواقع القاسي، تتكشف فجوة لا يمكن تغطيتها بخطاب إعلامي مُضلل من هنا أو هناك.

